الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2015-12-18

وليمة جابر بن عبد الله – بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي

لما أراد المشركون من قريش وأحزابهم حرب المسلمين واستئصالهم من الجزيرة العربية جمعوا عشرة آلاف مقاتل في السنة الخامسة للهجرة، وقصدوا المدينة لا ينثنون عنها، وسمع المسلمون بمجيئهم فقاموا يستعدون لقتالهم، وكانت جهة المدينة الغربية دون سور يحميها، والوقت لا يتسع لبنائه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة من هذه الجهة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ المسلمون وهُم ألفٌ بحفره، وجعلوه بعرض خمسة أمتار وعمق أربعة.

وبدأ العمل المرهق يصل الليل بالنهار، والمسلمون لا يبرحون المكان، طعامهم يصل إليهم من بيوتهم – وما أقله – لكنّ شعلة الإيمان والإصرار على الجهاد كفيلان بشحذ الهمة وانتشال النصر، وكان سيدهم وقائدهم يحفر معهم، لم يميّز نفسه عنهم، ولم يسعَ إلى الراحة دونهم، فهو قدوتهم ومثالهم الأعلى، له ما لهم، وعليه ما عليهم. والنفس الإنسانية ترتاح في خضم الإرهاق والتعب حين تجد القائد في المقدمة، فتبذل الجهد العظيم دون أن تشعر بالكلل أو الملل أو تحس بالظلم، فالجميع على قدم وساق، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، وجيهُهم وساقتهم، متساوون، يعملون، ويرجون من الله السداد والتأييد والعون والنصر.
وكلما حزبهم نشز من الأرض قاسٍ استعانوا ببطل الأبطال وسيد المجاهدين فيأتيهم يُهدهدها، ويحيلها حصى، ويستمرون في حفرهم ويشتدون في نشاطهم.
عرضت لهم قطعة صخرية أبت أن تستجيب لمعاولهم أو أن تهون لضرباتهم فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم  يستعينون به عليها، فقال: ((أنا لها))، وقام إليها فضربها الضربة الأولى فلمعت، فقال: ((الله أكبر، فُتحت خيبر))، وخيبرُ هذه على بعد مئة ميل شمال المدينة، يتحصن بها اليهود في قلاعهم الضخمة، ويهددون المدينة والمسلمين منها، فصاح المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثانية فلمعت، فقال: ((الله أكبر، فتحت فارس))، تلك البلاد المجوسية التي يعبد أهلها النار، فهتف المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثالثة فلمعت الصخرة تحت معوله، وتفتت، فنادى: ((الله أكبر، فتحت الروم))، بلاد الشام التي يحكمها النصارى الضالون الذين اتخذوا من نبي الله عيسى عليه السلام إلهاً حاشاه أن يدّعي هذا، فهتف المسلمون: الله أكبر.
وسرت في المسلمين روح النصر وقوة الإرادة فقويت عزيمتهم، ونسُوا تعبهم فراحوا ينشدون:
لئن قعدنا والنبي يعمل             لذاك منا العمل المضلّل
وارتفع صوت النبي صلى الله عليه وسلم  يقول:
((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة         فاغفر للأنصار والمهاجرة))
فردد المسلمون وراءه هذا الدعاء العظيم ورددته الملائكة معهم، ورددته جنبات المدينة، سهولُها ووديانها وجبالها وآكامُها.
كان قد مضى من الوقت – إذ ذاك – ثلاثة أيام بلياليها وبطنُ النبي صلى الله عليه وسلم  معصوبٌ بحجر يخفف لهيب الجوع، والمسلمون مثله، لم يذوقوا ما يسد رمقهم. فقام جابر بن عبد الله يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الذهاب إلى بيته، لأمرٍ بدا له، فأذن له، فأتى امرأته فقال لها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم  عصب بطنه بحجر من الجوع، فهل عندك ما نقدمه له؟ فوالله ما إن رأيته خُمصان حتى ضاق صدري ونفد صبري.
فقالت: عندي قليل من الشعير، وسخلة، فأنا أعجن الشعير، وأنت تذبح السخلة.
قلت: فهيّا بارك الله فيك من امرأة صالحة ملبية، وهكذا تكون نساء المسلمين، وطحنت المرأة الشعير وعجنته، فاختمر.
وذبح جابر السخلة وقطعها، ووضعها في القدر وأشعل النار تحتها ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  يدعوه إلى طعامه، فقالت له زوجته: لا تفضحنا يا جابر، سارِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وادع معه رجلين أو ثلاثة.
قلت: نعم.. وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دنوت منه همست في أذنه: يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعال أنت ونفر معك.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ونظر إليّ بعين المحبة والودّ، ثم التفت إلى المسلمين فنادى: ((يا معشر المسلمين)).
قالوا: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: ((فإن جابراً قد صنع طعاماً، فقوموا إلى بيته))، ثم التفت إليّ فقال: ((مُرِ امرأتك أن تغطي العجين فلا تخبزْ وأن تغطي القدر، فلا تغرفْ منها، حتى آتيكم)).
قلت: فانطلقت مهموماً، لا ألوي على شيء، فكيف لي بإطعام هؤلاء، والخبزُ واللحم لا يكفيان عدد أصابع اليد الواحدة.
فلما وصلت إلى البيت وأخبرت زوجتي أسمعتني قارص الكلام، ظناً منها أنني دعوت الناس جميعهم، فلما أخبرتها حقيقة الأمر، قالت: إذاً رسول الله صلى الله عليه وسلم  يتكفل بهم. وغطت العجين واللحم، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم  رفع الغطاء عن العجين وقرأ عليه، ثم نفخ فيه وقال لامرأتي: ((استعيني بأخرى واخبِزي))، ورفع الغطاء عن اللحم وقرأ عليه ونفخ فيه وغطاه، وقال للمسلمين: ((ادخلوا جماعات جماعاتٍ ولا تتزاحموا)).
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم  يمدّ يده إلى التنور فيأخذ الخبز ويغطي التنور، ثم يرفع غطاء القدر ويأخذ اللحم فيضعه في الخبز ويعيد غطاء القدر فوقه، ويوزع على المسلمين.
وظل يفعل هذا حتى استوفى الناس جميعاً، فعادوا إلى مكانهم في الخندق ثم أكل عليه الصلاة والسلام، أكل بعدما أكل المسلمون كلهم، واطمأن إلى أنهم شبعوا! لم يبدأ بنفسه، فسيُّدُ القوم يتابعهم، ويرعى أمورهم ثم يلتفت إلى نفسه .. هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا يفعل القائد الرحيم.
ثم قال لزوجتي: كلي وأهدي الناس فقد أصابهم مجاعةٌ فَفَعلتْ، ورفعت الغطاء عن الخبز وعن القدر، فكأنهما هما لم ينقصا .. صلى الله على رسوله العظيم، البرّ، الرحيم، وجزاه عن أمته خير الجزاء.
رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق