الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2017-01-29

لعنة الجولان – بقلم: طريف يوسف آغا


23 كانون الثاني، جانيوري 2017
كثيراً مانسمع عبارة (لعنة النفط) إشارة إلى ماقد يسببه امتلاك دولة لثروة نفطية من أطماع دول أجنبية بالسيطرة عليها سياسياً أو إقتصادياً أو حتى عسكرياً بهدف نهب تلك الثروة. اللعنة التي لازمت سورية خلال نصف القرن الماضي هي من نوع آخر أسميها (لعنة الجولان) وسأحاول في هذا المقال الإضاءة عليها.


     تقع هضبة الجولان جنوب غرب سورية ومساحتها تقارب 2000 كم مربع (طول 74 كم وعرض 27 كم) أعلى ارتفاع فيها حوالي 2800 م عن سطح البحر وتبعد عن دمشق حوالي 50 كم. يحدها من الشمال جبل الشيخ (حرمون)، المنبع الرئيسي للمياه في المنطقة، ومن الغرب الجليل وبحيرة طبريا ومن الجنوب الأردن. تحوي الهضبة على بحيرات صغيرة مثل مسعدة والحولة وغيرهما وتشرف على بحيرة طبرية كما سبق وذكرنا، كما وتعتبر خزانا هائلاً لمياه الشرب والري كونها تشرف على نهر الأردن (250 كم) الذي يخرج من طبريا ويصب في البحر الميت وترفده العديد من الأنهار الصغيرة مثل الحاصباني اللبناني وبانياس السوري واليرموك والزرقاء الأردنيين وغيرها.
     كما نعلم، فان الحروب والنزاعات عبر التاريخ لم تكن فقط حول الثروات المعدنية والنفطية، بل كانت أيضاً حول المياه شريان الحياة، وبما أن الجولان يعتبر خزاناً عملاقاً للمياه كما ذكرنا، فليس من المستغرب أن تسارع الدول القوية في المنطقة إلى السيطرة عليه. وبالاضافة لموضوع المياه، وهو الأهم في هذا السياق، فان طبيعة أرضه البركانية تجعله أرضاً فائقة الخصوبة للزراعة، وكونه هضبة شديدة الارتفاع يجعله سوراً طبيعياً أمام أي إعتداء خارجي. كل هذه الميزات جعلت من الجولان هدفاً لأطماع الدول الأجنبية. حين قامت دولة إسرائيل عام 1948، لم يكن لديها مصادر طبيعية تذكر لمياه الشرب وكانت مضطرة لحفر الآبار أو لتحلية مياه البحر المتوسط، حيث الأولى غير كافية والثانية عالية الكلفة، فكان لابد من إيجاد مصدر دائم و(مجاني) لتلك المياه، وبطبيعة الحال كان الجولان هو الحل الأمثل لمشكلتها.
     حين وضعت اتفاقية (سايكس-بيكو) البريطانية الفرنسية عام 1916، كان الهدف البعيد منها هو إقامة دولتين توأمين جارتين في المنطقة تدعمان بعضهما البعض، علناً أو بالسر، وتحكمهما فئتان بينهما العديد من العوامل المشتركة وأهمها شعورهما بالاضطهاد التاريخي والكراهية ومطالبتهما بوطن قومي يحميهما: اليهود والعلويون. قامت انكلترا باحتلالها لفلسطين عام 1920 بتأمين دولة إسرائيل عبر (وعد بلفور) الذي تم وضعه عام 1917 وتم التصريح به رسمياً وأصبح سياسة دولة، في حين قامت فرنسا بتأمين الدولة العلوية باحتلالها لسورية عام 1920 ولكن لم تصرح بذلك بل عملت على تنفيذه سراً. وقد تمت الاشارة لهذا الوعد بصورة غير مباشرة في عدة مناسبات كانت آخرها المشادة الكلامية في الأمم المتحدة بين سفير النظام السوري والسفير الفرنسي عام 2012 حين لوح الفرنسي لصاحبه السوري بالوثيقة التي اشتهرت باسم (الوثيقة العلوية) والتي تعود لعام 1936 ويطالب فيها العلويون فرنسا بوطن قومي لهم في الساحل السوري، إسوة بمنح فلسطين لليهود، وهي الوثيقة التي حملت تواقيع وجهاء الطائفة بما فيهم الأسد الجد. ومن مجريات الأحداث فيما بعد، فقد طلبت فرنسا حينها من العلويين الانتظار ووعدتهم بكامل سورية بدلاً من الساحل فقط، فيكون لدولتهم اتصالاً بريا مع الدولة العبرية. وهذا ماتبلور بعد الانقلاب العسكري الذي حصل في سورية عام 1963 وأتى بحزب البعث (الذي وضع ميشيل عفلق أسسه في فرنسا في الثلاثينيات وأعلن عنه رسميا في دمشق عام 1947) وهو الحزب الذي كان بمثابة حصان طروادة الذي أدخل العلويين إلى الحكم فيما بعد ومازالوا فيه حتى اليوم.
     كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع عام 1967 حين قامت إسرائيل بشن حرب حزيران واحتلت سيناء المصرية والضفة الغربية والقدس خلال الأيام الأولى، ليقوم الأسد باصدار الأوامر للجيش السوري بالانسحاب الكيفي من الجولان ومن دون أي مقاومة، بالرغم من اعتراض العديد من قادة الألوية العسكرية وإعلان قدرتهم على الدفاع، خاصة وكما ذكرنا، فان تضاريس الجولان وحدها كافية لمنع الاسرائيليين من احتلالها.لم يعد هناك داع لتفسير ماحدث حينها: لقد منحهم الجولان عربون دعمهم ودعم حلفائهم الغربيين له للاستيلاء على الحكم وضمان استمرار حكمه لولد الولد، وهذا ماحصل فعلاً فيما بعد. إذاً كان الجولان ومياهه هما الثمن الذي أوصل الأسد إلى السلطة وإقامته للدولة العلوية تنفيذاً للبنود السرية من اتفاقية (سايكس-بيكو) السيئة الصيت. وقد تم السماح له عام 1973 بالاشتراك في حرب تشرين المسرحية كبرائة ذمة يبيض بها صفحته أمام شعبه والشعوب العربية وليبقى يدعي بعدها بأنه لم ولن ينسى الجولان وأن الحرب ستكون طويلة وأن على الشعب التحلي بالصبر والقبول بشظف العيش والاستعداد لتقديم المزيد من التضحيات والتخلي عن الحرية في سبيل الهدف الأسمى وإلى آخر تلك التراهات التي ماعادت تنطلي إلا على الأغبياء أو من يتغابون، كما وتم السماح له باحتلال لبنان مقابل عدم مطالبته بالجولان وحماية التواجد الاسرائيلي فيها.
     ما أن انطلقت ثورات الربيع العربي في نهاية عام 2010 حتى لحقت بها سورية، حيث ظن الشعب السوري أن إسقاط نظام الأسد الابن لن يكون أصعب من إسقاط نظام القذافي وعلي صالح. ولكن ما لم ينتبه له كان خصوصية هذا النظام واختلافه الجوهري عن بقية الأنظمة العربية كونه الضامن لبقاء خزان المياه (الجولان) مع إسرائيل المدعومة أمريكياً وأوربياً، وهذا هو مختصر سبب صمود النظام بعد ست سنوات من انطلاق الثورة التي وصلت في مرحلة من مراحلها إلى أبواب دمشق والساحل، وهذا أيضاً ماحاول النظام على لسان (رامي مخلوف) تحذير الشعب السوري منه في بداية الثورة وإفهامه بأنه لايحارب النظام ولكن النظام العالمي. وكون إسرائيل وحلفائها في الغرب لايستطيعون لأسباب سياسية التدخل مباشرة لدعم هذا النظام، ولوجود تقاطع المصالح، فقد تم السماح لحليفيه الايراني أولاً ثم الروسي لاحقاً بالتدخل العسكري لانقاذه، كما وسمحوا له ولحليفيه هذين بل وساعدوهم بخلق (داعش) وإدخال (القاعدة) إلى أرض المعركة لاضفاء صورة الحرب الأهلية والصراع الطائفي على الثورة للقضاء عليها من جهة ولتبييض صفحة النظام من جهة ثانية ليتظاهروا بدورهم بتصديقه بأنه يحارب الارهاب وأنه على مساوئه، أفضل من تلك التنظيمات التي مازال الكثير يسأل كيف وصلت ومن أوصلها إلى سورية؟
     إذاً هي لعنة حلت على الشعب السوري، يمكن أن نسميها (لعنة سايكس-بيكو) أو (لعنة إسرائيل) ولكن جوهرها يكمن في مياه الجولان الذي تحتاجه دولة عطشى سبق ودخلت النادي النووي منذ الستينيات وتحظى بدعم العالمين الشرقي والغربي معاً، ومن هنا يمكن أن نفهم أن شعار (الأسد أو نحرق البلد) إنما هو شعار صادر عن النظام الدولي واقتصر دور النظام السوري فيه أن أمر بكتابته على الجدران ليس إلا.
     ***
 (يسمح بالنشر دون إذن مسبق)
بقلم: طريف يوسف آغا
كاتب وشاعر عربي سوري مغترب
عضو رابطة كتاب الثورة السورية
الاثنين 23 كانون الثاني، جانيوري 2017
هيوستن / تكساس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق