الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2016-04-04

تلرفعت بين الكرّ والفرّ – بقلم: د. أسامة الملوحي

بسم الله الرحمن الرحيم
في معركة مؤتة قُتل قادة جيش المسلمين الثلاثة تباعا ومعهم قُتل عدد كبير من أفراد جيش المسلمين فاستلم خالد بن الوليد القيادة وانسحب بالجيش وعاد به إلى المدينة المنورة ولمّا دخلها اجتمع على الجيش الناس وقالوا :يا فرار...يا فرار...فررتم في سبيل الله فاستدرك النبي على الناس وقال :" ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله" وعندما قال المسلمون المنسحبون للنبي نحن الفرارون قال:" بل أنتم العكّارون ,أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" والعكّارون هم العائدون إلى القتال والعاطفون عليه والنبي الأمين فئتهم أي نصيرهم وظهرهم وكفيلهم...واعتمد النبي فيهم على قول الله الجليل :"... ومن يولِّهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فقد باء بغضب من الله..."
ومنذ أكثر من شهر انسحب الثوار المجاهدون من تلرفعت بعد قتال مرير وصمود أسطوري وتضحيات جسام وكانت في أعناقهم بلدات أخرى من حولهم ومناطق مديدة عديدة يرابطون فيها ويقاتلون دفاعا عنها خارج مدينتهم حتى بلغت نقاط مرابطتهم عشرات النقاط على امتداد عشرات الكيلومترات...وبعد الانسحاب أرسل كثير من المنسحبين يسألون ويتفسرون غير مطمئنين ولا راكنين...هل نحن فرّار؟ هل نحن من مولّي الأدبار الذين يبوؤون بغضب الله الجليل؟.

 فكان لابد أن نجيب بذكر ما يقيسون عليه وتفصيل ما ينبغي فعله ...ولم يكن مناسبا لحجم الألم والحسرة أن نعرض الأمر قبل شهر من الخروج الكبير الذي حصل من مدينة البطولة تلرفعت ...أرفاد المدينة التي صمدت أربع سنوات كاملات....أرفاد اسم كتب بدماء الشهداء ورفع الذين قضوا نحبهم مدينتهم إلى مراتب عالية مطهرة وليس أمام الذين ينتظرون إلا أن يحفظوا لها مكانتها ومقامها وأن يطهروها في أسرع وقت ممكن.
وبعد مرور أكثر من شهر على تدنيسها ووصول الصور من داخلها عن القدر الكبير للعربدة التي مارسها المرتزقة في أحيائها وبيوتها وبعد صيحات كثيرة وهتافات عديدة ومظاهرات صاخبة خارج المدينة العزيزة لابد أن نعلنها واضحة قوية : لقد سمعت مدينة الشهداء كل ذلك وتجهزت لاستقبال عودة أبنائها وكرّ أبطالها وهي تنتظر العمل بعد الهتاف والفعل بعد القول وهي تمقت بأمر ربها الذين يقولون ما لا يفعلون .
تل رفعت ضجّت من تبادل اللوم والاتهام بين الضفدع والتمساح وكرهت كل برمائي ذي فم عريض واسع يقفز وينفعل  باستمرار ولكنك لا تعلم له موضع استقرار في برّ ثابت هو أم في ماء.
 تلرفعت عاشت في عز وكرامة لأربع سنوات وكانت لها سنوات ولادة جديدة لحياة كريمة حرّة ولن تصفح عن الذين يتركونها لتعود للعبودية السوداء البغيضة مرة أخرى.
تلرفعت لن تنتظر كرارها طويلا وستنساهم إذا نسوها وسمحوا لمن دنسها أن يكرّسوا فيها أمرا مخزيا واقعا.
تلرفعت لن تقبل بأي هدنة إذا اتفق بعض القادة مع الخارج أن يلتزموا بها حتى لو تذرعوا بدعم أو موافقة أو عواقب وخيمة.
وليعلم الجميع أن كل من يركض وراء بعض دعم من بعض دول إنما يركض وراء سراب فلن يكون الأمر باتجاه صحيح إلا إذا كان سلاح الثوار من عدوهم و مؤنهم  من شعبهم ...
لقد أحصينا مئات من أبناء تلرفعت في الخارج متمكنون يتابعون ويكتبون ويحنّون ويرسلون إشارات الالم والحزن والغضب ولكنهم لا يفعلون شيئا وأغلبهم لا يقدم شيئا إلا بعض قليل لبعض أفراد من الأقارب لتأمين طعام وشراب ...وأرفاد لم تطلب يوما واحدا طعاما أوشرابا بل طلبت إسنادا ودعما وأن تكون جسدا واحدا وقبضة واحدة في وجه الأعداء الذين تكاثروا وتعددوا وأحاطوا بها كما تحيط الذئاب المسعورة بفريسة تركها أهلوها للنهش والافتراس.
لو أرادوا الخروج لدخول وتحرير مدينة الشهداء لأعدوا لذلك العدة ....أهل أرفاد يكفونها بلا ريب ....من غير أي دولة داعمة أو جهة محزبة متبرعة... أهل أرفاد في الداخل والخارج يكفونها....وليس أمام ابن تلرفعت في كل مكان إلا أحد أمرين : إما قتال وفتح وثبات أو فداء عن قعوده بربع ماله ليجهز الغزاة الفاتحين .
وعندما أتكلم باسم تلرفعت وأخص تلرفعت فانا أتكلم بعصبية صريحة ليس للأرض والتراب فأنا لم أولد في تل رفعت وليس لي صلة رحم فيها فانا من حمص العديّة ولكن تعصبي هو تعصب لدين وعزة وبطولة ....تعصب وانتماء للشهداء السابقين الذين فجروا الثورة في حلب وريفها يوم تحسر الأحرار وضجّوا لتأخر حلب وأهلها عن ثورة الكرامة والقيم.
تلرفعت وأمثالها من البلدات الثائرة التي أخرجت الابطال من مستودعها وكانت منبعا للثورة ومستقرا لن تنتظر طويلا وستلفظ من تركها وليس في باله وتصميمه ان يكرّ إليها فاتحا مطهّرا مكبّرا.

د. أسامة الملوحي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق