الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2016-06-13

السلاح الأعمى.... قتال الإخوة الأعداء – بقلم: د. محمد حبش

ومع أن كل ما نكتبه في هذه الثورة مؤلم ومرير ولكنني أكتب اليوم عن اشد فصول هذه المأساة هولاً ومرارة وهو قتال الإخوة الإعداء.
الرصاص الأعمى انطلق من أخمص البنادق ومسرابا ودوما وعربين تعيش جحيماً طامياً يستعصي على الفهم، ولا يفسره إلا كلام النبي الكريم: لا يدري القاتل لم قتل ولا المقتول لم يقتل.
وصدرت فتوى فيلق الرحمن باعتبار جيش الاسلام فصيلاً باغياً مرتداً يجب على المجاهدين قتاله وقتله، وبالمقابل صدرت الفتوى المماثلة من جيش الإسلام ضد فيلق الرحمن، أما جيش الفسطاط الذي اقتبس اسمه من البشارة النبوية أن الشام ستكون فسطاطاً للناس يلجأ إليه الناس في الحرب فإنه أصبح بدوره جزءاً من الخصام إياه، وأصبح الناس يركضون في كل اتجاه بحثًاً عن فسطاط آمن يأوي إليه من تبقى من أطفال ونساء. .

ومع أن هذه الفتاوى قد صدرت من قبل ضد داعش وضد النصرة وكانت تحمل الغضب إياه وتنص على وجوب قتالهم وأنهم أكفر من اليهود والنصارى وأن قتلاهم في الجنة وقتلانا في النار، ولكنها على كل حال كانت تتجنب شركاء الموقف والحصار، وربما كانت هذه أول مرة تتورط فيها فتاوى الدم بالتحريض على تحول الخنادق والبنادق إلى ظهور الإخوة بدلاً من صدور الأعداء.
ويريدنا البعض أن لا نكتب في هذه المسائل حتى لا يشمت أعداء الشعب السوري بهذا الشعب المنكوب، ولكن لست أدري ما هو بؤس الشماتة أمام الواقع الأسود البشع الذي يرسم أسوأ نكبات التاريخ قتامة وشقاء وجاهلية.
إتها من وجهة نظري جوهر الصراع بين الكلمة والسيف، بين ثقافة الحرب والموت وثقافة السلام والحياة، بين الذين يؤمنون ببناء الإنسان على أساس من التشارك والحياة المجتمعية وبين الذين يعبدون الاستبداد ويقدسونه، سواء كان زعيمه علمانياً أو قرآنياً، فكلاهما صورة استبداد وقهر لا مكان فيها للعقل والحوار.

لقد سقطت نظرية السلاح النبيل والسلاح الطاهر يوم انزلق حزب الله إلى الحرب في سوريا وتحول عن كل شعاراته الجوفاء التي كانت تتحدث عن بصيرة المقاومة واتجاهها المستقيم في حرب الصهاينة، وأنها طريق وطن وطهر وشرف، لا تخطئ دربها أبداً في السلوك إلى القدس عبر ضرب براثن المحتل وأنها لن تنصرف أبداً إلى أي دور في التنازع الداخلي، وأنها ضارية وحارقة باتجاه الاسرائيلي وبرد وسلام باتجاه الأهل من أبناء الوطن على اختلاف مشاربهم وأديانهم ومذاهبهم، وأنها نار على الصهاينة ونور على الإسلام، وأنها رصيد حقيقي للعرب والمسلمين.
ولكن في غمار سنتين من الحرب في سوريا فإن هذه المقاومة قتلت في العرب والمسلمين عشرة أضعاف ما قتلت من الاسرائيليين، وخسرت أيضاُ من كوادرها رجالها أضعاف ما خسرته في الحرب ضد الصهاينة، وبدا كما لو أن كل سلاح المقاومة الشريف البريء النظيف كان مدخراً ليوم التوحش هذا، وفجأة أصبح الشمال الإسرائيلي منتجعاً سياحياً دافئاً يقصده سواح بليدون، فيما التهبت حلب وادلب والقلمون ودرعا والزبداني ومضايا بنار المقاومة .
طهرانية السلاح كذب ووهم، فالسلاح أعمى والبندقية بلا شرف والرصاص بلاد دين ولعبة الموت لعبة بلا ضمير.
وبالعودة إلى الغوطة المنكوبة بقتال الإخوة الأعداء ومع أن الدوافع التي تحشد الإخوة الأعداء على الخنادق المتقابلة هي دوفع الثار والتنافس ولكن الخطاب الديني كان جاهزاً لتبرير هذه الغرائز المتوحشة وصدر عن الهيئتين الشرعيتين في فيلق الرحمن وفي جيش الإسلام فتاوى القتال المتبادلة، على الرغم من أن أعضاء الهيئتين في العادة طلبة شرعيون درسوا في المعاهد إياها وتعلموا من نفس الشيوح وقرؤوا نفس الكتب وامتحنوا بنفس المقررات، ومرجعيتهم وفق أدق ضوابط الاصول إلى الكتاب والسنة وفق سلف الأمة ولا مكان فيهم لمبتدع أو تجديدي أو تنويري، أو حتى صوفي، ولكن الفتاوى التي صدرت عن الطرفين غاية في التناقض وكلاهما تأمرك كمسلم مقيم في أحد الخندقين أن تندفع صوب الخندق الآخر قاتلاً ومقاتلاً إلى النهاية.
ويندفع الفقهاء الكبار الذين يشرحون فقه الجهاد وشرف الجهاد ومجد الشهادة ويصدر بيان شرعي محكم العبارة ومتين الحجة والاستدلال والبرهان ويوقع عليه الشيخ كريم راجح فقيه الشام الأكبر والشيخ سرور زين العابدين منظر السلفية الجهادية والاستاذ عصام العطار المفكر الإسلامي التاريخي ومعهم الشيخ معاذ الخطيب ويدعو البيان في عبارة واضحة وصريحة لوقف القتال والتوحد في قتال العدو، وكانت الفتوى صريحة ومباشرة في وجوب الكف عن كل قتال بين الفئتين ومراجعة أحكام الجهاد وشروطه وضوابطه.
ولكن الحرب المجنونة أصمت كل أذن أن تستمع وتولى الإخوة الأعداء استئناف معاركهم المتوحشة واستدارت البنادق والخنادق وكأن ما بالسوريين من ظلم الأمم لا يكفيهم وكأن طائرات الروس وبراميل النظام لم تكن لتكفي في التوحش والقتل حتى انطلقت النيران الصديقة تقتل في كل اتجاه ولا تشبع من رائحة الدم، وهي أكثر إيلاماً ووجعاً من سلاح النظام لأنها أبصر بمواقع التأثير وأدرى بمواطن القوة ولانها في النهاية مشروع عبث وموت لا يشبه في شيء روح الجهاد الذي يخرج فيه المسلم دفاعاً عن دينه ووطنه وأهله.

قبل شهور قتلت النيران الصديقة في الغوطة الشيخ رياض الخرقي الذي كان كما يعرفه الجميع أشد المشايخ حرصاً على التأصيل والاستدلال والبرهان بقواعد الكتاب والسنة ولم يكن ليخرج عن كتاب الله وسنة رسوله قيد أنمله، ومع ذلك فإن قاتليه اعتبروه مرتداً كافراً حلال الدم!!
وفي قتال الإخوة الأعداء الأخير سقط أيضاً الطبيب النبيل نبيل دعاس الذي اختار أن يبقى في الغوطة المعذبة على الرغم مما يعني بقاؤه من خطر وتضحية وشقاء ولكنه كان مدفوعاً بإرادة الدفاع عن المظلومين والمستضعفين والمشردين واختار أن تكون حياته كلها بين هذه المشافي الميدانية البائسة، ونجا من قصف المشافي ببراميل النظام ولكن النيران الصديقة وصلت إليه في حجرة نومه وقدمته شهيداً جميلاً في طوفان الموت والجريمة.

ليست لدي قوائم كافية باسماء الشيوخ الذين يشبهون الشيخ رياض الخرقي أو الأطباء الذين يشبهون نبيل دعاس والذين سقطوا بالنيران الصديقة ولكنني أجزم أنها تجاوزت الألوف في أطراف هذا الوطن المنكوب، وكلما طالت هذه الثورة كلما كان بؤسها أكثر إيلاماً ووجعاً في أبنائها، وأدعى لدوام النكبة والهول في هذا الوطن الذبيح.
لا يمكن لمقالة كهذه أن ترسم نهاية الأحزان وخطة الخلاص ولكنها قد توقظ في تلك الغرائز الهائجة إرادة الحياة مرة أخرى ودعم مسارات السلام التي تنظلق على عثار ووهن، ولكنها تبقى الحل الوحيد لهذه النكبة المجنونة التي بدأها ويتحمل مسؤوليتها نظام أرعن لا يحفظ للإنسان حقاً ولا كرامة، ولكنها اليوم صارت مسؤولية الجميع، وأصبح كل منغمس في الدم شريكاً في مأساة السوريين وعذاباتهم.
لا تستوي الضحية والجلاد، ولكن حين يغيب العقل والمنطق، ويحكم الرصاص وتصمت الحكمة، فإننا نوشك أن نتحول جميعاً إلى جلادين.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق