الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2011-12-21

هموم الربيع العربي (17)، المرأة في ظل الربيع العربي – د. أحمد محمد كنعان


لعل من أبرز مظاهر "الربيع العربي" وصول الإسلاميين إلى السلطة بعدما أحرزوا الغالبية العظمى في مختلف الانتخابات التي جرت حتى اليوم في البلدان العربية التي حررها الربيع العربي من نير الاستبداد .

وقد قطع الإسلاميون على أنفسهم العهود المغلظة باحترام مبادئ الديمقراطية، وصيانة حقوق الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، دون تمييز، إلا أن هذه العهود ـ على الرغم مما يبدو من جديتها وصدقيتها ـ لم تستطع تبديد مخاوف شريحة كبيرة من اللبراليين والعلمانيين الذين ما فتئوا ينادون بتحرير المرأة ويطالبون بحقوقها، ويبدون استهجانهم من غيابها عن البرلمانات العربية وعن مراكز صنع القرار السياسي، وينعون على المجتمع العربي ثقافته الذكورية المتسلطة المتحيزة بقوة ضد المرأة !


والواقع، أن الصراع بين النساء والرجال كان ظاهرة شائعة عبر العصور، وفي مختلف المجتمعات، وما يزال، وقد بدا عبر الأحقاب الماضية من عمر البشرية وكأن هذا الصراع قد حسم نهائياً لصالح الرجال الذين استأثروا بالنصيب الأوفى من سجلات التاريخ، مقابل صفحات قليلة استطاعت النساء احتلالها بصعوبة بالغة، وكأن هذه الظاهرة تعبر تعبيراً عملياً عن قول الحق تبارك وتعالى : (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ )) فقد ظل الرجال على مدار التاريخ هم صانعو الأحداث، وظلوا على الدوام أكثر ظهوراً ونجومية على المسرح !

وهذا لا يعني أن النساء كانوا دوماً على الهامش أو خلف الكواليس، فقد ظهر على مدار التاريخ نساء عبقريات، كان منهن العالمة والأديبة والزعيمة والفيلسوفة والفنانة المبدعة، وترك كثير منهن بصمات لا تنمحي في سجلات التاريخ، إلا أن هؤلاء النسوة ظلوا قلة نادرة بالمقارنة مع الرجال الذين ملأت أسماؤهم صفحات التاريخ، وهذه الحقيقة قد تحسب لصالح الرجال لأول وهلة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، فالرجال الذين ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس كانوا هم ـ وليس النساء ـ وراء معظم الحروب والمآسي والكوارث السياسية والاجتماعية التي شهدتها البشرية !

وهذه الحقيقة تعيدنا إلى مسألة "التفضيل" التي وردت في الآية الكريمة التي ذكرناها آنفاً، فهي قطعاً لا تعني تفضيل الرجال على النساء في ميزان الله عزَّ وجلَّ، لأن للتفضيل في ميزان الله عزَّ وجلَّ معايير أخرى، بل نعتقد أن التفضيل الوارد في الآية الكريمة يعني التفضيل في القدرات البدنية التي جعلت الرجال أقدر على التفاعل مع الأحداث، وأكثر جرأة باتخاذ القرارات، ومن ثم أشد حماسة لارتكاب الحماقات التي دفعت البشرية ضريبة باهظة ثمناً لها، فلا غرابة إذن أن يكون الرجال أكثر نجومية على مسرح التاريخ !

إلا أن هذه الغلبة للرجال بدأت في العصور الحديثة تتراجع لصالح النساء اللواتي بدأن يقتحمن مجالات جديدة لم يكن مسموحاً لهن اقتحامها في الماضي، وقد ساعدهن في هذا الاقتحام انتشار التعليم، وتأييد منظمات المجمتع المدني لقضايا المرأة والمطالبة بحقوقها ومساواتها بالرجل، وبهذا اقترب المجتمع البشري من الرؤية التي طرحها التشريع الإلهي في الرسالة السماوية الخاتمة حين جعل الجنسين على مسافة واحدة من التشريع، وكلفهما بالتكاليف الشرعية نفسها، وحدد لهما الواجبات والحقوق نفسها، مع تفاوت يسير عبر عنه سبحانه وتعالى بقوله : ((وَللرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة )) فهي درجة واحدة وليست درجات كما كان الحال في الماضي وإلى وقت قريب، ونعتقد أن هذا الفارق اليسير سوف يظل بين الجنسين حتى آخر الزمان، وليس كما يعتقد بعض الباحثين بأن ردم هذه الهوة نهائياً بات قريباً، فهذا الفارق اليسير بين الجنسين ينطوي على حكمة إلهية بالغة، فلو تساوى الجنسان في كل شيء لاستغنى أحدهما عن الآخر، وإذن لتوقف النسل، وتوقفت عجلة الحياة، وهذا ما بدأنا نرى بوادره الكارثية في بعض المجتمعات التي حققت المساواة التامة بين الجنسين، فدخلت نفق الشذوذ الجنسي، فاستغنى الرجل عن المرأة، واستغنت المرأة عن الرجل، وانتشر زواج الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة، وأصبح النمو السكاني سلبياً، وبدأت تلك المجتمعات الشاذة خطواتها الحثيثة العمياء نحو الانقراض !

وقد علمنا القرآن الكريم أن نستفيد من التاريخ فلا نكرر أخطاء من سبقونا، فقال تعالى : (( قُلْ سيروا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الذينَ مِنْ قَبْلُ)) فإذا كان الآخرون قد وصلوا بالعلاقة بين الجنسين إلى تلك النهايات الكارثية فإن علينا أن نحذر الانزلاق في نفس الطريق كي لا ننتهي تلك النهايات !

وهذا لا يعني قطع الطريق على الاجتهاد والتوقف بنظرتنا للعلاقة بين الجنسين عند الرؤية التي قال بها الأقدمون، تلك الرؤية التي تصور المرأة على أنها مخلوق عاطفي غير عقلاني، لا تحسن التصرف، ولا تصلح للقيادة، وهي بحاجة دائمة إلى ولاية الرجل والوصاية عليها، وهي أبداً مثار لفتنة الرجل وإغوائه !

ونعتقد أن الربيع العربي الذي كسر حواجز الخوف، ونفحنا بنسائم الحرية، وأجرى في عروقنا دماء جديدة، سوف يدفعنا بجرأة لنعيد النظر في الكثير من رؤانا التقليدية، ومنها العلاقة بين الرجل والمرأة، لنخرج برؤى جديدة تتناغم مع طبيعة هذا الربيع الذي يبدو جلياً أنه يحمل لنا في جعبته الكثير من المفاجآت السعيدة التي سوف تحملنا إلى عصر جديد !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق