الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2015-07-21

صور من تأذّي النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن من اليهود والنصارى والمشركين وضعاف الإيمان من المسلمين (8) – بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي

ومن عادتي منذ أكثر من أربعين سنة أنني أقرأ كل يوم جزءاً من القرآن الكريم، فقرَّ رأيي أن أقرأ في الشهر التالي نوفمبر، تشرين الثاني الجزء المقرر كل يوم، وأعيِّنُ الآيات التي يَرِدُ فيها إيذاء المشركين واليهودِ وضعافِ الإيمانِ من المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أعود إلى التفاسير أجمع منها صوراً توضح ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من إرهاق وإيذاء وعنَت صبَّه هؤلاء  على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فكان القدوةَ في تحمُّل الأذى والتصرف حياله، واللجوءِ أولا ً وأخيرا ً إلى الله تعالى فهو مانع رسول الله وهو عاصمه..

                                             سورة التوبة(1)
                                             [ الآية 58 ]

 ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ  )               
المنافقون هم المنافقون يبحثون دائماً عن فوائد لهم، يريدونها خالصة لهم ،وعلى أقل تقدير يريدون الأكثر لهم.. سواء قدموا الخدمة لهؤلاء وهؤلاء، أم لم يفعلوا ذلك.. همهم الأاكبر جرُّ المنفعة إليهم، بالحق..بالجور.. لا يبالون بذلك.. فإن لم يصبهم شيء بدأوا يقدحون، وأخذوا يذمون.. باسم العدل تارة، وباسم الحق تارة أخرى، وباسم الرحمة ثالثة..
         وفي هذه الآية نجد وصفاً دقيقاً لهم، فهم يسالون النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم من الزكاة.. والرسول صلى الله عليه وسلم يعطي من له الحق ويمنع من ليس له ذلك، وفي المجتمع كثير من الناس يحتاجون، لكنَّ نفوسهم كبيرة وكرامتهم عليهم عزيزة، لا يطلبون وهمُ المحتاجون، ويتعففون وهم أشدُّ ما  يكونون فقراً ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ) (1) لماذا لأنهم لا يلحفون بالسؤال، بينما تجد الطامعين مزّقوا غلالة الحياء ومدُّوا أيديهم بالسؤال ولسانهم بالجلد لمن يقصِّر عنهم.
وهكذا حال المنافقين الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم أَوْلى بذلك، فإن أعطوا ذَكَرُوا رسول الله والإسلام بكل خير، لأنهم انتفعوا.. أما إذا منعهم أظهروا سخطهم ولمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم وغمزوا فيه، فلا حرمة لأحد إلَّا إذا مدَّ يده إلى أفواههم فملأها، وإلى أيديهم فحمَّلها، والى عيونهم فبهرها..
وردت روايات متعددة عن سبب نزول هـذه الآية الكريمة، تقصُّ أحداثاً معينة عن أشخاصٍ بأعيانهم لمزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدالة التوزيع.


روى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، سمعتُ رجلاً يقول: هذه قسمة ما أُريْدَ بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: رحمة الله على موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر.
ونزلت :( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ )(1).
وقال قتادة في- قوله الآية- يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بالمدينة.. أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟!!!.
وروى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسْماً إذ جاءه ذو الخويصر التميمي، فقال: إعدل يا رسول الله فقال: " ويلك ومن ذا يعدل إذا لم أعدل؟ !! فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ائذن لي، فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دَعْهُ فإن له أصحاباً يحقر أحدكُم صلاته مع صلاتهم وصيامَه مع صيامهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية". قال أبو سعيد:" فنزلت فيهم:      ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) (1) ".
وروى ابن جرير عن داود عن أبي عاصم قال: أُتي النبي الله صلى عليه وسلم  بصدقة، فقسمها هاهنا، وهاهنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل فنزلت الآية.
فهؤلاء المنافقون لا يقولون هذه القالة حرصاً على الدين ورغبة في الحق، ولكنْ غضباً على حظ أنفسهم، وغيظاً أن ليس لهم نصيب.. وهذا يدل على صريح نفاقهم.. فهل يشك أحد ممن لامس الإيمانُ قلبَه والنورُ بصيرته أن يلمز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمانته وصدقه، وهو الملقب قبل بعثته بالصادق الأمين؟!! إنه النفاق في أوضح صوره، والكره للدين وصاحبه في أشدِّ بيانه.
   لو رضوا بما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ذوي أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان لهم الأجر العظيم والمكانة الأسمى مِنْ لِعاع الدنيا ومتاعها الزائل.
  لمّا وجد الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وزع الغنائم في حنين على أهل قريش.. جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال:
أوَجَدْتم يا معشر الأنصار في عَرَض من أعراض الدنيا تألفت بها قلوب قوم دخلوا الإسلام جديداً.. ووكَّلتُكم إلى دينكم وإيمانكم وحبكم لله ورسوله؟؟ !! أَمَا ترضَون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ تعودون بحبيبكم ونبيكم فهو قسمتكم.. ويا لها من قسمة.. وما أعظمها من نصيب، وما أجملها من فوز عظيم..!!  وهنا بكى الأنصار واخضلَّتْ لحاهم، وسالت دموعهم تغسل ما علق في قلوبهم من الدنيا وشكوكهم - إن وُجِدت- برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: رضينا برسول الله حظاً.. رضينا برسول الله قسمة. رضينا برسول الله نصيباً..
وهنا رقَّ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ذو القلب الرقيق والفؤاد الرحيم.. فدعا لهم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار.. وأبناء أبناء الأنصار..
هذا حال المؤمنين.. فلو أن المنافقين كانوا مثلهم وعرفوا حدودهم، رضوا بقَسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألوا الله أن يرزقهم من فضله العميم.. وجأروا بالدعاء إليه.. والذي يجأر إلى الله بالدعاء لا يطلب من العباد إلَّا حقه، ثم يسال ربَّ العباد أنْ يكرمه الإكرام الزائد.. ويتفضل عليه التفضل العميم، فيرغب عما في أيدي الناس إلى ما في خزائن رب العباد.
والمسلم يمتاز بالأدب الرفيع، أدب النفس، وأدب اللسان وأدب الإيمان.. يرضى بقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضا التسليم والقناعة لا رضا القهر والغلب.
قال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ )(1)  أين جواب لو.. الجواب في أعماق النفس المؤمنة.. الجواب في ضمير المؤمن العارف بالله المحب رسوله.. الجواب في شفافية القلب الذي استنار بنور الإسلام واستضاء بضياء الإيمان.. إنَّ الجواب واضح في رضا الله ورعايته وفضله وكرمه.. ونِعمَ كرمُ الله وحبذا فضلُ الله.
                          *   *    *













                                           سورة التوبة(2)
                                          [ الآية 61]
( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
   من بين المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يدعى نبتل بن الحارث، وكان دميماً، مشوَّه الخلقة سِّيىء الأدب ،قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.
    كان هذا المنافق يبسط لسانه في أذيَّة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا، فيقبله، فإنه أذن سامعة !!
 إنها صورة من صور سوء الأدب مع الرسول الكريم في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات. ولماذا يؤذونه ؟!! إن الذي لا يستطيع أن يعيش إلَّا في الماء الآسن والوحل والقاذورات لن يطيب له العيش في الأرض المرتفعة حيث الهواء النقي والماء العذب والنظافة.. والذي يستمع إلى أدبٍ رفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعوده.. يستنكر هذا الأدب الرفيع.. ويصفه بغير حقيقته.
   إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع للصادق في صدقه حتى إذا فرغ شيَّعه بالدعاء وبشَّ في وجهه، ويستمع للكاذب في كذبه حتى إذا فرغ لم يجبهه بل شيَّعه بكلماتٍ تعلمه الأدب دون أن يجرح نفسه لأنه المربِّي.. القدوة.. وأصحاب الأدب الرفيع يحمدون له هذه الصفة، فلا يُجِّل الكريمَ الَّا الكريمُ.. أما اللئيم فيحسب لخساسةِ نفسه وسوءِ طبعه أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمَّاعٌ لكل قولٍ، يصدٍّق كلَّ انسانٍ، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة ولا يفطن إلى غش القول وزوره، ومن حَلَفَ  له صدَّقه، ومن دسَّ عليه قولاً قبله، يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناً أن يكشف النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم أو يفطن إلى نفاقهم، ويقولونه طعناً على النبي في تصديقه المؤمنين الخلص الذين ينقلون له ما يطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول والمسلمين.
ويأخذ القرآن كلامهم ليجعل منه ردا.. (وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ )(1) نعم.. ولكن: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ) (2)  أذن خير يستمع إلى الوحي ثم يبلغه لكم، وفيه خيركم، وصلاحكم، وأذنُ خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم، ولا يرميكم بخداعكم، ولا يأخذكم بريائكم،
( يُؤْمِنُ بِاللّهِ ) (3) فيصدق كل ما يخبره به عنكم وعن سواكم (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (4)  فيطمئن إليهم ويثق بهم، لأنه يعلم منهم صدقَ الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء..         )  وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ( (5) يأخذ بيدهم إلى الخير..(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (6) فالله يغار على رسوله أن يؤذى، وهو رسول الله.. "من ظلال القرآن بتصرف".
      يقولون ما يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتون إلى المسلمين يحلفون لهم أنهم ما ذكروا الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء.. وهم كاذبون.. فكما يكذبون على صاحب الدعوة يكذبون على أتباعه .. ( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) (1) .
لماذا يحلفون؟ أيريدون إرضاء الناس.. فرضاء الله أولى، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ( وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)  (2) وإني لأعجب من الأسلوب القرآني الوحيد الذي استعمل (الهاء المفردة) في يرضوه للدلالة على أنَّ إرضاء الرسول مِنْ إرضاءِ الله تعالى.
    فلو كانوا مؤمنين، وهذه الصفة هم بعيدون عنها، ما أساءوا إلى رسول الله الذي بُعث رحمةً للعالمين، وماذا يكون الناس، مهما بلغوا من قوة وعظمة، إلى قوة الله؟! لكنَّ الكافر بالله لا يعرف مقدار الله (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(3)   .
ولو كان الكافر يعرف قدر الله لآمن به وأحب الرسول، وذاب في العمل بشريعته. لكنه مادي، لا يرقى إلى الفهم الصحيح ، فيحسب حساب العباد، ولا يعنو للمعبود. يذل ويخضع للعباد، ويجهل مقدار رب العباد، ويعرض عنه جهلاً وسفاهة.
إنهم حين يؤذون رسول الله، يؤذون المؤمنين، وينسَون أن الله تعالى الذي أرسل رسوله، يغضب أن يساء إليه، وينصره، ويدافع عنه، فمقام الرسول من مقام من أرسله..
لذلك كان التوبيخ والتأنيب،.. لذلك كان التهديد والوعيد.
(  أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ )(1) .
     إنَّ جهنم في انتظار هؤلاء، تستقبلهم بالويل والثُّبور وعظائم الأمور.. فليس لهم كرامة، وليس لهم سوى العذاب الشديد الأبدي، في نار وقودها الناس والحجارة.. نار تشويهم، وتحرق جلودهم.. كلما نضجت هذه الجلود بدَّلها اللهُ جلوداً أخرى، ليذوقوا العذاب..

يا رب إني  مؤمنٌ                         أرجوك  أن تغفرَ لي
أحب أن تعفو عن                           ما قد بدا من  زللي
وحبُّ طه واتباعُ الـ                         ـــحق يحيي أملي
إنني إليه أنتمـي                           فهبني حسن العمل(1)





(1)  سورة البقرة: الآية 273.
(1) سورة التوبة: الآية 58.

(1) سورة التوبة: الآية 58.

(1) سورة التوبة: الآية 59.
(1)  سورة التوبة: الآية 61.
(2)  سورة التوبة: الآية 61.
(3)  سورة التوبة: الآية 61.
(4)  سورة التوبة: الآية 61.
(5)  سورة التوبة: الآية 61.
(6)  سورة التوبة: الآية 61.
(1)    سورة التوبة: الآية 62.
(2)   سورة التوبة: الآية 62.
(3)   سورة الأنعام: الآية 91.
(1)    سورة التوبة: الآية 63.
(1)   الأبيات للمؤلف.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق