الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2011-09-11

علاقة الأسماء بمسمياتها واختلال المفاهيم - بقلم: مصطفى مفتي.

ارتبطت الأسماء بمسمياتها ومدلولاتها منذ أن خلق الله تعالى آدم – عليه السلام‑ حين شرفه المولى عزّ وجلّ بتعليمه أسماء الأشياء قبل الملائكة الكرام، حيث قال تعالى في محكم تنزيله: " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)" [البقرة]، واستمرت العلاقة الأزلية بين كل من الاسم وما يدل عليه إلى أن تلوثت الفِطر، وانحرفت عن مسارها الربانيّ، فبدأ الإنسان يغير الأسماء ليبرر لنفسه ارتكاب المعصية، وانتهاك الحرمات.


          وأول من بدأ تحريف الكلم عن مواضعه هم اليهود، حينما كانوا يقولون لنبيّنا محمد – صلى الله عليه وسلم‑ (راعنا) يوهمون السامع أنهم يريدون المراعاة وأن يُلتفت إليهم، وهم في الحقيقة يقصدون السب والتهكم والسخرية بوصف الرسول – صلى الله عليه وسلم‑ بالرعونة، خسئت ألسنتهم وغضب الله عليهم ولعنهم لعناً كبيراً.

          ثم توالى الالتفاف على الألفاظ الدّالة على المعاصي والمحرّمات، للانحراف بها عن المعنى الأصلي، ولتلطيف الوقوع فيها، وتهوينها وتسهيلها على بعض الجهلة والمغفلين، فأطلق لفظ (المشروبات الروحية) على الخمر، والهدية والقهوة والإكرامية وتطييب الخاطر وثمن القات – باختلاف البلاد وتنوعها‑ على الرشوة، وتحايلوا على معصية الربا فسموها تارة بالفائدة، وأخرى بالرسوم الإدارية، وتمّ اختلاق بعض البيوع التي لا تخرج في حقيقتها عن الربا، وسمّوا الاختلاط وكشف العورات ونزع الحجاب وإدراج الكلمات الأجنبية في الحديث تحضراً ورقياً، وأصبح الرقص فناً والإبداع فيه توفيقا من الله، كما بات الممثل والممثلة قدوة، وأضحت الموسيقى غذاء للروح، والسرقة والاحتيال ذكاء وفهلوة، وسمّوا الزنا صداقة، وتعدد الصديقات والعشيقات انفتاحاً وتحررا من قيود الزوجية، والشذوذ مثلية، وأصبح لهؤلاء الشّواذ منظمات ودول تحمي علاقاتهم الآثمة، بل تبيح الزواج بينهم وتنظمه، وتطول القائمة، وغير ذلك أكثر من أن يحصى.

          كما تغيرت مفاهيم الأسماء ودلالتها في الاتجاه المقابل، فأصبحت اللحية تزمتاً، والالتزام والتدين رجعية وتخلفاً، والجهاد إرهاباً، والتلطف والإحسان إلى الناس ضعفاً واستكانة، والتسامح مسكنةً وغباءً، وخفض الجناح للإخوة في الله ذلاً وهواناً، والصّدح بالحق حماقة، والتزام السنن تحجراً، والزواج بالثانية خيانة، وإعطاء البنات حقهن من الإرث تفريطاً، وأمر البنات بالحجاب ظلماً،  وتدريب الأبناء على الصوم قسوة، وإيقاظ الأولاد لصلاة الفجر قهراً، ....الخ.

          ولكن نظام الحكم في بلادي تميز عن غيره حين أضفى على الأسماء معاني ومدلولات لم تعهدها البشرية من قبل.

ونعيش مع بعض المصطلحات من معجم نظامنا العجيب:
·       المندسون: المندس بلغة نظامنا هو كل معارض ثائر على النظام السوري، فهل شعبنا كله مندس؟! وإذا كان كذلك فمن هو المندس فيه أو عليه؟ وهل تُدسّ الكثرة الكاثرة في القِلة التي لا حُكم لوجودها؟!

·       السلفيون والإخوان المسلمون: في سورية وحدها معظم سكانها من السلفيين ويجاوزون العشرين مليوناً!!! ويشمل السلفيون في بلادي: السنة  والشيعة والإسماعيلية والدروز وكل الطوائف!!!! وكذلك يشمل الإخوان من ذكرتُ سابقاً بالإضافة إلى المسيحيين، وهذه ليست مزحة أو تهكماً، ولترجع أخي القارئ الكريم إلى رواية القوقعة لتعلم أن صاحبها سُجن أكثر من عشر سنوات لاتهامه بالانتساب لجماعة الإخوان المسلمين وهو مسيحي!!!

·       العصابات المسلحة: هم الشباب العُزّل الأحرار، الذين لا يملكون إلا حناجرهم التي يعبرون بها، وصدورهم العارية التي يتلقون بها رصاصات الغدر الآثمة.

·       الخائن: في معجم النظام هو كل محبٍ لبلده، يخاف على مصلحته ويراعيها، ويقدم الغالي والرخيص للذود عنه.

·       الوطنيون الشرفاء: هم شبيحة النظام من القتلة، وأبواقه الذين يدافعون عنه بكل ما أتوا من مهارة في الكذب والتلفيق والخداع والتضليل.

·        الأجندة الخارجية: هي المطالب المشروعة لكل سوري في العيش الكريم، والحرية بأشكالها كافة، كحرية التعبير والاعتقاد والانتماء إلى الأحزاب المتنوعة والتنقل...الخ، وهي تخالف الأجندة الداخلية التي تعتمد سياسة الكبت والقهر والتنكيل وإهدار كرامة الإنسان السوري.

هذه بعض الأسماء التي اختلت مفاهيمها لاختلال الفهم عند واضعيها، ليبرروا لأنفسهم ما يمارسون من انتهاكات ضد شعوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق