الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2015-01-23

صور مردودة – بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانس

الصورة الأولى:
مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  في السوق يراقب البيع والشراء، وتصرُّفَ الناس في السوق، يرشد هذا، ويعلّم ذاك، ويسلم على هذا، ويصبغ المجتمع بصبغة الإسلام، وتوقف عند رجل يبيع طعاماً، فأدخل يده في الإناء فأصابها البلل، فقال له: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟ إنّه جافٌ من فوقُ مبللٌ من تحت)).
قال الرجل معتذراً: نزل المطر عليه يا رسول الله فابتلَّ.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أفلا جَعلت ما ابتلَّ فوق الطعام حتى يراه الناس؟! هذا غش لا يرضاه الله عز وجلَّ ولا نرضاه يا صاحب الطعام: من غشّنا فليس منّا)).

الصورة الثانية:
كان أبو مسعود البدري يضرب أحد عبيده بالسوط لذنبٍ أذنبه، فسمع صوتاً من خلفه يقول: ((يا أبا مسعود)) لكنّه – لغضبه الشديد من فتاه – لم يسمع الكلام ولم يعرفِ المنادي، فلما اقترب الصوتُ منه عرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوقف عن الضرب واحمرَّ وجهه خجلاً أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو منفعل يضرب عبده.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا أبا مسعود، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك، يا أبا مسعود: اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)).
فقال أبو مسعود: فسقط السوط من يدي هيبة، ثم قلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً يا رسول الله.
ثم التفت أبو مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم  يسترضيه قائلاً: يا رسول الله هو حرٌّ لوجه الله.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((أما إنّه لو لم تفعل للفحتك النار يوم القيامة يا أبا مسعود: من ضرب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه)).
قال أبو علي سويد بن مقرِّن رضي الله عنه: كنا سبعة إخوة من بن مقرِّن ما لنا إلا خادمة واحدة، لطمها أصغرنا فأمرنا الرسول الكريم أن نعتقها.
الصورة الثالثة:
مرَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفتيان من قريش نصبوا طيراً (حيّاً) وهم يرمونه، وقالوا لصاحب الطير: كل سهم لا يصيب الطير فهو لك، فرضي، فهم يصوبون سهامهم نحوه، فلما رأوا عبد الله بن عمر تفرَّقوا، فقال بن عمر: من فعل هذا؟ لعَنَ الله منْ فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه سلم لعن من اتخذ شيئاً فيه روح هدفاً.
الصورة الرابعة:
كان هشام بن حكيم بن حزام رجلاً صلباً في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، عُرف عنه ذلك، فكان الفاروق يُسَرُّ لهذا، ويقول إذا بلغه أن هشاماً ينكر منكراً: ما بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا.
رجل كهشام قليلاً ما نجده في هذا الزمن الذي فسد فيه كل شيء إلا ما رحم الله.
مرَّ هشام هذا بالشام على ناس من الأنباط – وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم – قد أقيموا في الشمس، يلفحهم هجيرها، يُصبُّ على رؤوسهم الزيت فقال: ما هذا؟
قيل: يعذّبون لأنهم لم يدفعوا خراج الأرض.
قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يعذب الذين يعذّبون الناس في الدنيا بغير الحق)).
فدخل على الأمير فحدَّثه بما حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم  فأمر الأمير بإخلاء سبيلهم.
أما في هذا الزمان فصبُّ الزيت في حر الشمس على الوجوه يعتبر من المزاح الخفيف، لقد اخترع أعداء الله طرقاً شيطانية فيها شتى الأفانين في العذاب، لا تخطر على بال، طرقاً تدل على بهيمية مخترعيها ومستعمليها، وتدلُّ على أنهم لا يمتّون إلى الإنسانية بصلة، حدّثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين قال: ((صنفان من أهل النار لم أرهما))، وذكر القوم يضربون الناس بأذيال البقر وهي كناية عن التفنن في التعذيب وإيذاء الناس، نعوذ بالله من شرورهم.
الصورة الخامسة:
قال ابن مسعود: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا طائراً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة (الطائر) فزعة تطير من فوق رؤوسنا، وكأنها ترجونا أن نعيد إليها فرخيها، لا يقرُّ لها قرار، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآها تطير مضطربة، فقال: ((من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها)).
ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها، فقال: ((من حرق هذه؟)).
قلنا: نحن فعلنا ذلك يا رسول الله، قال: ((إنّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلّا ربُّ النار)).
هذا هو الإسلام رحيم بأتباعه رحيم بغيرهم، لا يرضى أن يكون المسلمون ذوي قلوب فظّة قاسية، بل ذوي قلوب محبة رحيمة تحمل الودّ والسلام إلى العالم قاطبة.
وهذا هو النبي الرحيم الذي علّم الإنسانية اللطف والتراحم، فهل نقتدي به لنكون سادة العالم مرة أخرى؟!

(رياض الصالحين باب النهي عن تعذيب العبد والدابة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق