الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2015-08-07

القائد المجاهد المتوكل على الله (إبراهيم هنانو) – بقلم: محمد فاروق الإمام

إبراهيم بن سليمان آغا بن محمد هنانو، زعيم سوري، قاوم الغزو الفرنسي. وكان أحد قادة الثورة السورية على المستعمر الفرنسي الكبار.
ولد إبراهيم هنانو في بلدة "كفر تخاريم" في محافظة إدلب غربي حلب في غرة عام 1869م. نشأ في أسرة كردية غنية، حيث كان والده سليمان آغا أحد أكبر أثرياء مدينة حلب، و والدته كريمة الحاج علي الصرما من أعيان كفر تخاريم؛ أتم الدراسة الابتدائية في كفر تخاريم، ثم انتقل إلى حلب حيث أتم دراسته الثانوية. قام إبراهيم بأخذ أربعة آلاف ليرة ذهبية من والده بدون علمه ليدرس بالجامعة السلطانية في الآستانة، حيث كان والده يرفض سفره إلى الآستانة، وعاد إلى أهله بعد أربعة سنين ثم غادر مرة ثانية إلى استانبول لينهي دراسة الحقوق بعد ثلاث سنين أخرى.

أثناء عمله في استانبول، حيث تزوج أثناءها بفتاة من أرضروم، ورزق وقتها بابنته نباهت، وبعد ولادتها باثنتي عشرة سنة رزق بابنه طارق، وتوفيت زوجته بعد ولادة ابنه بخمسة عشر يوماً.
بعد إنهاء دراسته عين مديراً لناحية في ضواحي استانبول لمدة ثلاث سنوات، حيث تزوج. بعد انقضاء هذه المدة تم تعيينه قائم مقام بنواحي أرضروم ليبقي فيها أربع سنوات، ثم ليتم تعينه بعدها قاضي تحقيق في كفر تخاريم، حيث بقي فيها ما يقارب الثلاث سنوات.
انتخب عضواً في مجلس إدارة حلب لمدة أربع سنوات، وعين بعدها رئيسا لديوان الولاية لمدة سنتين وذلك عند رشيد طليع والي حلب، والذي شجعه على الثورة في الشمال بالتنسيق مع الملك فيصل. وتم انتخابه ممثلا لمدينة حلب في المؤتمر السوري الأول في دمشق في دورة عام ( 1919 - 1920 م)
تم عقد اجتماع في منزل قائم مقام إدلب عمر زكي الأفيوني نهاية عام 1919م برئاسة هنانو، ضم الاجتماع كبار وجهاء إدلب والمناطق المجاورة لها، وعدد من الوطنيين من انطاكية والحفة واللاذقية، لتنظيم شؤون الثورة، وتم الاتفاق على اختيار هنانو لتأليف قوات عربية على شكل عصابات من المجاهدين لمشاغلة الفرنسيين الذين احتلوا مدينة انطاكية والتي كانت تحت سيطرة عزة هنانو أخو إبراهيم، والذي اضطر لتسليم المدينة بناء على أوامر الحكومة العربية في سورية.
قام هنانو بجمع أثاث بيته وأحرقه معلنا بداية الثورة وقال جملته المشهورة: (لا أريد أثاثاً في بلد مستعمر)، و كان أول صدام مسلح بين الثوار والقوات الفرنسية في 23 تشرين الأول عام 1919م، حيث استمر القتال لقرابة السبع ساعات. وأقام هنانو محكمة للثورة لكل من يتعامل مع فرنسا أو يسيء للثورة.
قامت فرق المجاهدين التابعة له، بإزعاج الفرنسيين محققة نجاحات ضخمة، فذاع صيت هنانو وكثر مريديه، بل حتى أن ابنته طلبت خمسة رؤوس لجنود فرنسيين كمهر لها.
قام الأمير فيصل بالتوقيع على معاهدة الانتداب مع فرنسا في عام 1920م، الأمر الذي رفضه الكثير من السوريين، حيث تصادم مع عبد الرحمن الشهبندر قائلا أنا من سلالة النبي، فرد الشهبندر: وأنا ابن هذا البلد، وأرفض كل وصاية. وأطالب بتشكيل حكومة قومية ثورية. إلا أن محمد كرد علي ساند الأمير، واندلع الخلاف بين السوريين.
أصبح وضعه بعد فترة صعباً بسبب حاجته الماسة للسلاح والعتاد، فقد كان الضغط الفرنسي كبيرً، فاضطر إلى الاستعانة بأصدقائه في تركيا لطلب العون. مما أمن له سلاحاً وذخيرة كانت كافية لإلحاق أضرار فادحة بالفرنسيين في جميع المواجهات، سواء من ناحية الأفراد أو العتاد. ويبلغ عدد المواجهات بين الطرفين التي قادها بنفسه سبع وعشرون معركة. بل أنه في معركة مزرعة السيجري، استطاع أسر جنود فرنسيين. وقام باسترداد مناطق واسعة من السيطرة الفرنسية منها منطقته التي ولد بها كفر تخاريم.
قام الفرنسيون على إثر ذلك بدخول دمشق ومن ثم حلب لقمع الثورة، ولجأ هنانو وقواته إلى جبل الزاوية؛ ضمن المنطقة المحصورة بين حماة وحلب وإدلب، فقام الكثير بالانضمام إليه هنالك مما سمح له بإنشاء قاعدة عسكرية ولتصبح المنطقة مقراً له. أطلق عليه أتباعه لقب المتوكل على الله بسبب قوله توكلنا على الله كلما ذهب مع قواته للإغارة على الفرنسيين.
قام بعدها بنقل منطقة قيادته إلى جبل الأربعين وازداد عدد أتباعه بسرعة بعد انتصاراته على الفرنسيين، فقام هنانو بإعلان دولة حلب وإقامة حكومة مستقلة بإدارته. على إثر ذلك بدأت مفاوضات بينه و بين الفرنسيين ممثلة بكل من الكولونيل فوان والجنرال غوبو، واشترط هنانو للبدء بالمفاوضات إيقاف تحرك القوات الفرنسية.
قام مصطفى كمال أتاتورك بتوقيع اتفاقية مع فرنسا، وأوقف معونته للثوار السوريين مما أدى إلى إضعاف موقف هنانو في المفاوضات. وأصر الفرنسيون على أن تصبح الدولة التي يطالب بها في المناطق التي تخضع لثورته (إدلب وحارم وجسر الشغور وأنطاكية )، مكبلة بقيود عسكرية مع الفرنسيين. الأمر الذي رفضه هنانو، ورأى به اتفاقاً مذلاً. واتضح له لاحقاً أن فرنسا تجمع قواتها كلها إلى الساحل السوري. ولهذا كانت تفاوض هنانو لإلهائه فقد قام غورو بجمع 100,000 جندي على الساحل السوري.
جاء في كتاب يوسف إبراهيم يزبك في كتابه أول نوارـ ذكريات وتاريخ نصوص: "أخبرني الزعيم إبراهيم هنانو في إحدى الليالي اصطيافه ببحمدون أن لينين أوفد إليه ضابطا من القفقاس عرف هنانو قبل بضع سنوات وعمل معه في خدمة الحكومة العثمانية في ولاية حلب. وكان الضابط يحمل رسالة مكتوبة بالتركية يعرض فيها مساعدة الثورة السورية التي حمل سلاحها إبراهيم هنانو وإخوانه فلاحو جبل سمعان على الاحتلال الفرنسي بعد نكبة ميسلون. وسألت الزعيم هنانو عن مصير الرسالة، فأجاب أبو طارق رحمه الله : " إنها عدة رسائل وليست واحدة، تبودلت بيني وبين بطل البولشفيك لأجل إشعال نيران الثورات على الفرنسيين والإنجليز في تركية وسورية والعراق وفلسطين ومصر. وكان لينين مخلصًا فيما عرضه علي ولكنه أراد أن تكون الثورات من الشعوب الإسلامية".
قام غورو بتقديم إنذار تضمن عدة شروط منها: تسليم خط رياق- حلب، وحل الجيش السوري، وقبول الانتداب الفرنسي. كما اشترط قبول العملة الورقية الفرنسية، وطالب بتغيير الحكومة. فقام الملك فيصل بقبول الإنذار، وأرسل برقية لغورو يعلمه بذلك. إلا أن العسكريين رفضوا الإنذار. وقام يوسف العظمة بتقسيم سورية إلى عدة جبهات للتحضير لقتال الفرنسيين. قام بعد ذلك الملك فيصل بتكليف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومة جديدة. مما أدى إلى خروج السكان في مظاهرات ومهاجمة القلعة (مقر الملك) مطالبين بتسليحهم، وجرت مصادمات قوية بين المتظاهرين والحرس، وانسحب يوسف العظمة من المؤتمر الوطني.
قام الفرنسيون بعد معركة ميسلون بتقسيم سورية إلى خمس دول. ووضعت صبحي الحديدي رئيساً لدولة حلب، بدلاً من هنانو، الذي حاول احتلال دولة حلب بدون فائدة.
حكم على هنانو أربع أحكام غيابية بالإعدام من قبل محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية، ومع سيطرة الفرنسيين على الطرق، ونقص الدعم العسكري لهنانو، اضطر في تموز عام 1921م إلى مغادرة معاقله إلى الجنوب حيث حاول التفاوض مع الشريف عبد الله بن الحسين. في الطريق إلى شرق الأردن تعرض لكمين قرب جبل الشعر بالقرب من حماة في 16 تموز عام 1921م، حيث دارت معركة مكسر الحصان بينه وبين الكامنين له، فقد خلالها معظم من كان معه. واستطاع هو النجاة بنفسه. وتم القضاء على ثورته.
لم يتم اللقاء بين هنانو والشريف عبد الله، فأكمل هنانو طريقه إلى القدس حيث قبض عليه الإنجليز في 13 آب عام 1921م وسلموه إلى الفرنسيين.
وبعد القبض على هنانو قُدم إلى محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية بتهمة الإخلال بالأمن والقيام بأعمال إجرامية، وعقدت المحاكمة أول جلساتها في 15 آذار 1922م في ظل إجراءات أمن مشددة، وترافع فتح الله الصقال، أبرز محامي حلب للدافع عن هنانو، حيث أظهر أن التهمة باطلة كون هنانو خصم سياسي وليس مجرماً، بدليل أن الفرنسيين قبلوا بالتفاوض معه مرتين ووقعوا معه هدنة.
في 25 آذار عام 1922م طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدامه قائلا " لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعاً"· لكن القاضي الفرنسي أطلق سراح هنانو معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة، معلنا استقلالية السلطة القضائية الفرنسية عن السلطة العسكرية.
بعد انتهاء المحاكمة وإطلاق سراح هنانو حاول الصقال أن يُدخل هنانو لشكر رئيس المحكمة على حكم البراءة، فاعتذر الرئيس عن استقبال هنانو في مكتبه قائلا: أنا لا أصافح رجلاً تلوثت يداه بدماء الفرنسـيين، عند الحكم كنت على منصة القضاء، أما الآن فأنا مواطن فرنسي.
كان هنانو أحد أعضاء الكتلة الوطنية، وتولى زعامة الحركة الوطنية في شمال سورية. في عام 1928 تم تعيينه رئيسا للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري، إلا أن المفوض السامي الفرنسي سعى إلى تعطيل الجمعية التأسيسية والدستور مما أدى إلى خروج مظاهرات تطالب بتنفيذ بنود الدستور. وفي عام 1932م وفي مؤتمر الكتلة الوطنية انتخب إبراهيم هنانو زعيما للكتلة الوطنية. و في عام 1933م لعب دوراً في استقالة حكومة حقي باشا العظم، بسبب نيتها الموافقة على المعاهدة الفرنسية.
في أيلول عام 1933م قام شخص يدعى نيازي الكوسى، بإطلاق النار على هنانو في أثناء وجوده في قريته إلا أن الرصاص أصاب قدمه، وتم القبض على الكوسى في انطاكية، وحكم بالسجن عشر سنوات، إلا أن المفوض السامي الفرنسي أصدر عفواً خاصاً بحق الكوسى مما دفع الجميع للاعتقاد بعلاقة الفرنسيين بحادثة محاولة الاغتيال.
قصد الزعيم إبراهيم هنانو قريته " ستي عاتكة " للإشراف على بعض أعماله الزراعية هناك! قبل الذهاب إلى دمشق، بعد أن استأجر بيتاً للإقامة فيها، خلال فصلي الشتاء والربيع. كان الزعيم يتمتع بكامل صحته. وفي صباح الخميس الثاني عشر من تشرين الثاني عام 1935 تناول قهوته، ثم قصد إلى كرم زيتون ليشرف على العمال ويتريض قليلاً. ولكنه أحس بشيء من البرد والألم، فعاد إلى غرفته. وما لبث الألم أن اشتد عليه، فأرسل ابنه طارق إلى حلب، ليحضر له سيارة تنقله إلى حلب. وحين تأخر طارق في العودة، أمسك الزعيم ساعة، وصار يعد نبضه. وحين شعر أن عدد نبضاته يتجاوز المائة، ألقى الساعة من يده، وقال لمن حوله: قولوا لإخوتي . (الوطن بين أيديهم). وتوفي في يوم الخميس الموافق 21 تشرين الثاني عام 1935م، وصلي عليه في الجامع الأموي بحلب.
كان أول من أُبلغ بالنبأ الصادع، رفيق دربه وجهاده سعد الله الجابري، الذي بادر إلى نعيه إلى رجال الكتلة الوطنية، والملوك والأمراء والوزراء، وكبار الشخصيات العربية. وقد أذن المؤذنون في الجوامع، وقرعت الأجراس في الكنائس، وهي تنعى للأمة زعيمها ورجلها المناضل. خيم الحزن على أرجاء الوطن العربي كله، وتدفقت برقيات التعازي من كل مكان. وشُيّع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير، يوم السبت الرابع عشر من تشرين الثاني تشييعاً حافلاً، لم تشهد البلاد مثيلاً له من قبل. وشاركت في التشييع وفود من مختلف الأقطار العربية والمحافظات السورية.
بعد أن ووري الجثمان الطاهر الثرى، تسابق الخطباء والشعراء إلى تأبين الفقيد الكبير. وكان بين الخطباء . فارس الخوري، وصبري العسلي، وعبد الرحمن الكيالي، والشيخ المجهول (أحمد الإمام العنداني) والشاعر عمر أبو ريشه. ولبست البلاد ثياب الحزن، وصدرت الصحف مجللة بالسواد، وأغلقت المدن ثلاثة أيام حزناً على زعيمها. وتسابق الكتاب ورجال القلم إلى تدبيج المقالات الطوال في ذكر مناقب الزعيم وتعداد مواقفه البطولية. وكان أبرز من كتب: نجيب الريس صاحب جريدة القبس، ونصوح بابيل صاحب جريدة الأيام، ومعروف الأرناؤوط صاحب جريدة فتى العرب، ويوسف العيسى صاحب جريدة ألف باء، والدكتور منير العجلاني، وجبران تويني صاحب جريدة النهار البيروتية، وغيرهم كثيرون جداً. ودعت الكتلة الوطنية بعد ذلك إلى حفل تأبين كبير أقيم بدمشق في العاشر من كانون الثاني 1936م على مدرج الجامعة السورية، وحضرته وفود من مختلف الأقطار العربية، وتليت فيه كلمات وبرقيات الملوك والأمراء والوزراء ورجالات الوطن.
ومن الكلمات البليغة التي قيلت في رثاء الزعيم هنانو المؤثرة والمعبرة، كلمة الأديب، والسياسي، والعالم، الدكتور منير العجلاني، وهذا نصها:
(عاش كما عاش " راما " نقياً كالنار، ثابتاً كالطود، واسعاً - كالبحر، ومات كما تموت الشمعة، التي تحترق لتضيء للناس، وتلتهب حتى تذوب. لم يودع صحابته، كما ودع سعد رفاقه بكلمتين: أنا انتهيت. فقد كانوا يريدون منه أن يتكلم دائماً، لأن كلامه نور، وكان يجيبهم دائماً.. وحتى النفس الأخير. أخذ منه المرض شعاعاً بعد شعاع، ولكنه كان يعطي الوطن طوعاً أكثر مما يأخذ المرض منه كراهية. فقد كان رحمه الله جباراً، وكانت حجته غالبة، والذي يجود للوطن بنفسه، لا يضن عليه بقوته. بموته، شعر كل شاب أن أباً مات، وكل مجاهد أن قائداً قتل، وكل سياسي أن معقلاً تهدم. بموته، تقف حركة شغلت الناس بعملها عن تقدير أثرها. وما أدراك ما أثرها. قطعة من الوطن على حدود الترك، تحتشد فيها أمة قيل إنها تاجرة، وقيل إنها نزاعة إلى الانفصال. وقال صحفيون أوربيون إنها غريبة عن دمشق، لأن وطنية دمشق تلفظ أنفاسها على أسوار حماه. ولكن رجلاً ظهر، وانطلق الحلبيون يرددون اسمه، كما تردد أسماء الأولياء، فنسخ آية الانفصال، وسكب الإيمان في القلوب، والنور في العيون، والمضاء في العزائم، والعفة في الألسنة، وسيطر على العقول بالفروسية، وأعاد الضعيف قوياً، والمتهاون أبياً، والجوامع والصوامع والمدارس والمنازل، معاقل قومية وعلَّم حلب من الوطنية ما تعلم وما لا تعلم، ورفع اسمها فوق الأسماء، وحمل إلى العاصمة، التي كانت تتساءل عن وسيلة للدفاع عن حلب جيشاً يدافع عنها هي نفسها. ذلك الرجل هو إبراهيم هنانو، وإبراهيم هنانو قد مات. رحم الله هنانو، فقد صنع لنا تاريخاً، وبنى لنا معقلاً.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق