الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-12-19

تقديس «الفُرُوع»، وتَهْوين «الأُصُول» (1) – بقلم: د. محمد عناد سليمان

لقد ألزمَ بعض العلماء أنفسهم «لزوم ما لا يلزم»، لنزوة نفس طارئة، أو إعلاءٍ لنفوذ سياسيٍّ ما، فقد وجدت بعض أهل العلم بالعربيَّة يقدِّسون ما سنُّوه من قواعد نحويَّة، ولا يعتدُّون بما خالفها، وإن كان المخالف لها من «القرآن الكريم»، أو من «القراءات القرآنيَّة» المتواترة، وكذلك الأمر عند أهل العلم بالشَّريعة، الذين سلكوا النَّهج ذاته، فقدَّمُوا «الجماعة»، أو «المذهب»، أو «الطَّائفة» ذات الموروث الثَّقافي الدِّيني، على الملَّة الحقيقيَّة التي يجب أن يكون عليها الدِّين، فضلُّوا وأضلُّوا، فانطبق عليهم قول الله عزَّ وجلَّ: «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ».

ولعل الدَّافع وراء ذلك من كلا الطَّرفين، «أهلِ العربيَّة»، و«أهل الشَّريعة» يكمن في النَّزعة العلميَّة التي كانت سائدة، من الحيازة على لقب «وحيد الدَّهر»، و«فريد العصر، و«العلامة الجامع»، و«العلامة البارع»، وغير ذلك من الأوصاف والألقاب، التي ضيَّعت الهدف الحقيقيّ من البحث العلميّ، والوصول إلى الغاية المنوبة منها في معرفة الحقيقة، وهداية الناس.

والأمثلة على ذلك كثيرة متشعِّبة، وسأقتصر على شواهد يتَّسع لها المقام، والعودة إليها سيحتاج رسالة علميَّة قائمة بذاتها، فالشَّواهد ليست بالقليلة؛ وقد تكون المشكلة أكبر في العلوم الشَّرعيَّة؛ لأنَّ الباحث قد يصل في معرفتها إلى مخالفة كثير من علماء الأمة وجهابذتها، فقد يسارع بعض المتعصِّبين و«المتذمهبين» إلى نبذ المخالف؛ بل قد يصل إلى حدِّ تكفيره عند بعضهم وإخراجه من الملّة، وليت القوم يعلمون الفرق بين «الملَّة» و«الطَّائفة»، و«المذهب» و«الدِّيانة»!!

من ذلك ما ذهب إليه بعضهم من وصف قراءة الأعرج وزيد بن عليّ والأعمش وخارجة عن نافع وابن عامر قوله تعالى: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُون» ([1])، بهمز «معائش»([2]) بالغلط، أو الرَّداءة، أو الضّعف، أو الخطأ([3]).

وقال الزّجاج: «جميع نحاة البصرة تزعم أنَّ همزها خطأ، ولا أعرف لها وجهًا، إلا أنَّ لفظ هذه الياء التي من نفس الكلمة أُسكن في «معيشة» فصار على لفظ «صحيفة» فحمل الجمع على ذلك»([4])، «ولا ينبغي التَّعويل على هذه القراءة»([5]). وقال المازني: «فأمَّا قراءة من قرأ من أهل المدينة «معايش» بالهمز فهي خطأ، فلا يُلتفت إليها، وإنَّما أُخذت عن نافع بن أبي نعيم، ولم يكن يدري ما العربيَّة، وله أحرف يقرؤها لحنًا نحوًا من هذا»([6]).

فالمازنيّ يرفض القراءة لمجرَّد أنَّها خالفت القياس، ولا يعتدّ بها، وإن كان قارئها قارئ مدينة الرَّسول صلى الله عليم وسلم نافع؛ بل إنَّه يُشير إلى أنَّ كثيرًا من قراءة هذا الرَّجل الإمام العدل الثِّقة هي لحن يجب ردُّها، ولو انَّ دارسًا يتتبَّع هذه المواضع فيظهرها حقَّ الإظهار.

وقد قال الفرَّاء: «وربَّما همزت العرب هذا وشبهه يتوهّمون أنَّها «فعيلة» لشبهها بوزنها في اللَّفظ وعدَّة الحروف فيشبّهون «مفعلة» بـ«فعيلة»([7]).

وقال الطَّبري: « وربَّما همزت العرب جمع «مَفْعَلَة» في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها، إذا جاءت على «مفاعل» تشبيهًا منهم جمعها بجمع «فعيلة­»، كما تشبه «مَفْعلاً» بـ«فَعِيل»([8]).

 فهذا نقل من الفرّاء والطَّبري «عن العرب أنَّهم ربَّما يهمزون هذا وشبهه»([9])، ومنه قول الشَّاعر: [الطويل]
مَزَائِدُ خَرْقَاءِ الْيَدَيْنِ مُسِيفَةٍ


أَخَبَّ بِهِنَّ الـمُخْـلِفانِ وأَحْفَدَا([1])



([1]) البيت منسوب إلى الرَّاعي النميري وهو في ديوانه: ص61، وإلى الطرماح في الخصائص: 2/328، ولسان العرب
(حفد): 3/235، وبلا نسبة في المخصَّص: 10/10.
«وجاء به نقل القراءة الثِّقات ابن عامر وهو عربيّ صرَّاح، وقد أخذ القرآن عن عثمان قبل ظهور اللَّحن، والأعرج وهو من كبار قرّاء التَّابعين، وزيد بن عليّ وهو من الفصاحة والعلم بالمكان الذي قلّ أن يدانيه في ذلك أحد، والأعمش وهو من الضَّبط والإتقان والحفظ والثِّقة بمكان، ونافع وهو قد قرأ على سبعين من التَّابعين، وهم من الفصاحة والضَّبط والثِّقة بالمحلّ الذي لا يُجهل، فوجب قبول ما نقلوه إلينا ولا مبالاة بمخالفة نحاة البصرة في مثل هذا. وأمَّا قول المازنيّ: «أصل أخذ هذه القراءة عن نافع» فليس بصحيح؛ لأنَّها نُقلت عن ابن عامر وعن الأعرج وزيد بن عليّ والأعمش. وأمَّا قوله: «إنّ نافعاً لم يكن يدري ما العربيَّة» فشهادة على النَّفي، ولو فرضنا أنَّه لا يدري ما العربيَّة وهي هذه الصِّناعة التي يتوصَّل بها إلى التكلُّم بلسان العرب فهو لا يلزمه ذلك، إذ هو فصيح متكلِّم بالعربيَّة، ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النُّحاة يسيئون الظَّنَّ بالقرّاء ولا يجوز لهم»([11]).

بل إنَّهم لَمَّا وجدوها خالفت القياس المعمول به، والكثير المطَّرِد في كلامهم، وصفوها بذلك، وأمرهم هذا لا يقلُّ عمَّا فعله سيبويه حين وصف قراءة من جمع بين الهمزتين بأنَّه رديء([12]). وهذا غير مقبول منهم، وما ينبغي لهم أن يصفوها بذلك؛ بل الواجب أن تُقبل القراءة على شذوذها، وألا تُوصف  بما أطلقوه عليها؛ «لأنَّ القراءة سنَّة متَّبعة، يلزم قبولها والمصير إليها»([13])، ولا يجوز ردُّها، سواء أكانت شاذَّة أم مقيسة.

وما ذكروه من وصف لهذه القراءات إنَّما هي جسارة منهم، لا تليق بحالهم، ولا بطهارة لسانهم، لأنَّهم قد عمدوا إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليم وسلَّم قرأ بها سلف الأمَّة، واتصلت بأكابر قرَّاء الصَّحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليم وسلم عمدوا إليها فوصفوها بمثل هذه الأوصاف([14])، لا لشيء إلا لأنَّها خالفت القياس المعمول به. ومتى كانت القواعد الموضوعة تردُّ القراءة؟ أو تقلِّلُ من شأنها وتصفها بمثل ذلك؟ فالقراءة إن ثبتت فلا «يردُّها قياس عربيَّة، ولا فشوُّ لغة»([15]).

وإنَّما ذكرت هذا وأطلت فيه؛ لئلا يطَّلع غُمْرٌ من النَّاس  على كلام المبرد وابن جنِّي وابن يعيش وابن الحاجب وغيرهم في هذه القراءة فيسيء ظنًّا بها وبقارئها، فيقارب أن يقع في الكفر بالطَّعن في ذلك([16])، أمَّا سيبويه فحسبه أنَّه أغفل القراءة؛ لئلا تتعارض وآراءه، وهذه سمته في كثير من المواضع.

فبعض علماء اللُّغة، ومثلهم بعض علماء الدِّين، قد أوهموا أنفسهم بصواب وأصوليَّة قواعدهم، وإن كان «القرآن» يفنِّدها، ويرفضها، كما فعلوا في «جموع التَّكسير»، حيث إنَّ الواقع اللُّغويَّ المستعمل يُشير إلى وجود أبنية لـ«جموع التَّكسير» غير ما ذكروه، وهذا أمر أخر ينهضُ دليلاً قويَّا على عدم استقرائهم لكلَّ ما ورد من هذه الجموع، ففي «القرآن الكريم» وحده اثنان وأربعون بناء لـ«جموع التَّكسير» ([17])، وهو عدد يكاد يكون ضعف ما ذكره الصَّرفيُّون في مصنَّفاتهم، ومن هذه الأبنية الجديدة «فَعَّالة»، و«فِعَالَة»، و«فَعِيل» وغيرها، وأمثلتها على التَّرتيب، قوله تعالى: «وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ» ([18])، وقوله: «قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً» ([19])، وقوله: «وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ» ([20]).

بل إنَّ الاستعمالَ اللُّغويّ لجموع التَّكسير يدلُّ على أنَّ العرب كانوا يُفرِّقون بين الدَّلالات التي يُستعمل فيها الجمع، فإذا ما أرادوا العين الباصرَة مثلاً جمعوها على «أعين»، أمَّا إن قصدوا عين الماء ونحوها فإنَّما جمعوه على «عيون»، ولقد ورد هذان الجمعان في القرآن الكريم، فتكرَّر الأوَّل اثنين وعشرين مرَّة، والثَّاني في عشرة مواضع، ولم يُستعمل أحدهما لمعنى الآخر([21])

فالقرآن الكريم عمدة وأصل، ولا ينبغي إخضاعه للقواعد الموضوعة، أو إسقاطه تحتها؛ بل أرى أن تستنبط القواعد منه باعتباره الأصل والقاعدة الأمّ.



د. محمد عناد سليمان
18 / 12 / 2013م





([1]) الأعراف: 7/10.
([2]) السَّبعة في القراءات: ص278، والحجَّة للفارسيّ: 4/7، والبحر المحيط: 5/15.
([3]) المقتضب: 1/123، والمنصف: 1/307، وشرح المفصَّل لابن يعيش: 10/97، والإيضاح في شرح المفصَّل: 2/463.
([4]) إعراب القرآن: 2/320، 321.
([5]) البحر المحيط: 5/15.
([6]) المنصف: 1/307.
([7]) معاني القرآن: 1/373.
([8]) جامع البيان: 5/125.
([9]) البحر المحيط: 5/15.
([10]) البيت منسوب إلى الرَّاعي النميري وهو في ديوانه: ص61، وإلى الطرماح في الخصائص: 2/328، ولسان العرب
(حفد): 3/235، وبلا نسبة في المخصَّص: 10/10.
([11]) البحر المحيط: 5/15.
([12]) الكتاب: 4/443.
([13]) القراءات واللَّهجات: ص163.
([14]) البحر المحيط: 3/500. 
([15]) القراءات واللَّهجات: ص163.
([16]) البحر المحيط: 3/500.
([17]) من قضايا جموع التَّكسير: ص121، وملاحظات على قياسية الغالب من جموع التكسير «بحث منشور»: ص30.
([18]) يوسف: 12/10.
([19]) الإسراء: 17/50.
([20]) النَّحل: 16/8.
([21]) جموع التَّكسير والعرف اللُّغوي «بحث منشور»: ص188، 189.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق