الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-12-12

أنا والثلج .... وماري - بقلم: إياس غالب الرشيد

       أصدقاء الثلج أعدائي في المزاج ، ليس لأنني من يبغض النقاء والصفاء والرومانسية ، وليس لأنني لا أحبذ اكتساء الجبال بثوب العروس ، في يوم رحلتها إلى برزخ آخر، بل لأن الثلج عندي مرتبط بحزب البعث .......... سينهض اعتراض ، وكيف يكون ذلك ؟؟!!!

عرفت الثلج مثلي مثل كل الأطفال في حقبة الثمانينيات ، زمن البعث ، زمن السفالة والتسفل ، ومن لم يعش في الثمانينيات لا يعرف معنى سطوة البعث وجبروته ، وكيف جر سوريا إلى ما هي عليه من انحطاط في كل شيء ، بدعوى تحديث المجتمع على أسس علمانية اشتراكية تقدمية قومية (قرباطية) .

أول استقبال للثلج بوعي كان سنة 1982، كان رائعا ، بياض يشرح الفؤاد ، ويُخرجُ من الروحِ الكامنَ من صفاء النبوات الجميل ، ولكن القضية لم تدم طويلا؛ ففي الشتاء التالي ، بدأ الشتاء لعينا مقطب الجبين ،يزحف وكأنه تتار على الحدود . انقطع المازوت من البلاد ، وصار الناس في حيص بيص من أمرهم ،وعلا الصوت في الأرجاء ( الكازية فيها مازوت ) وتبدأ الأرجل تدب على الأرض في حركة عشوائية، ويتراكض الجميع يحملون ( بوادين المازوت ) يرتدون المعاطف العسكرية ( الفلت العسكري ) ،بعد أن تمت عسكرة المجتمع ، وينتعلون الجزمات البلاستيكية ، ويسير خلف الرجل في حركات أقل بطئا النسوة ، من الصبايا حتى الطاعنات في السن ، اللواتي يتحدثن بصوت عال عن هذا الخير العميم الهاطل من السماء بإيقاع الفرحة ، وعندما يصلن إلى جزئية المازوت يبدأن باستمطار اللعنات على ما يحدث ،ولا يقطع حديثهن إلا وقوف إحداهن ، تضع يدها على أنفها وبحركة دراماتيكية إيقاعية تنفث المخاط من أنفها وتمسحه على أول عامود كهرباء مقطوعة تصل إليه .

في هذا الزمان المفعم بكل أخطاء البشر وخطاياهم كنا في منزلنا الجميل في عرطوز ، وكانت ليلة ليلاء لا تسمع فيها إلا عزيف الجن ، بدأ الثلج يهطل بغزارة، بعد أن دفن الليلُ الشمسَ في جوفه ، وبدأت حركة العابرين تضمحل ، ثم بدأ المطر النزول بغزارة ممتزجا بالثلج ، في هذه اللحظات السكونية ، صرخت أمي من غرفة بعيدة ، وهي تهرول نحونا : ( ماري تلد .. ماري تلد ...) قمت وأخوتي مستبشرين بموضوع الولادة ، واستنفر أبي رحمه الله ، وقال لأمي انطلقي نحوها ، وأنا سأتبعك ،وخذي معك الحطب ، وأسجري لها نارا ، تعلقت (بشرش أمي )؛ أي ثوبها ونزلنا مسرعين نحو ماري ، فتحنا الباب عليها ، وكان حولها بعض من بني جنسها ، والمكان معتم ، أشعلنا السراج ، بدت ماري وبجانبها توأم .. يا بشرى....... هاتان روحان جديدتان .. نظرنا في عيني ماري ، فكانت مرتاحة ،وانطلق من عينيها شعاع رضا بقدومنا ، بسرعة البرق جمعنا الحطب وأشعلنا النار ، فبدأ الدفء يسري في المكان ، وشاع الضياء ، اقتربنا من المولودين هما بصحة جيدة ، ساعدتهما أمي على الرضاعة وبدأا بالحركة ، بذلنا لماري طعاما وشرابا حتى بدأت القوة تسري في جسدها ، وبعد أن استوثقنا من حالة ماري الصحية ، لففنا الوليدين ، وأخذناهما إلى منزلنا في الطابق العلوي وتركنا الجمر عند ماري ينشر الدفء في المكان ، حيث لا نخشى عليها أن تحرق نفسها ، لأنها بلغت سن الرشد!!! ، ولكنَّ الوليدين يعجزان عن ذلك ، ولا بد من أخذهما إلى جانب ( المدفأة ) وهذا ما كان ، وجلبنا للوليدين صندوقا خشبيا ووضعناهما بجانب المدفأة ، حتى خلدا للنوم ، وبتنا ليلتنا ساهرين نراقب الضيفين الجددين على الحياة ..، وظللنا على هذه الحال عدة أيام حتى استوى عودهما، وانتهت موجة الصقيع المرافقة للثلج .

لم تكن ماري التي أسعفناها في تلك الليلة الليلاء ساعة ولادتها إلا عنزتنا الشامية ، وولدت توأما جديا وسخلة ، وما أنسى ما حييت كيف اعتنت بها أمي في تلك الليلة؛ عنايتها بإنسية من البشر ، وما زالت في ذاكرتي نظرات الامتنان في عين ماري حينما دخلنا عليها في تلك الليلة الباردة مسعفين ...

أووووووه ما زال الثلج يؤلمني ، وأخشى لقاءه ، ومازالت سوريا مرتعشة منذ ابتلاها الله بالبعث البغيض ، وهي تنام على بحر من البترول .

أنت أيها الثلج امض لشأنك حيث ناس يمتلكون حطبا ليسجروا نارا لولدانهم ، وأنتم يا أهل السياسة اتركوا شعبي وارحلوا بعيدا مع ثلجكم المر ، واتركوا أمي تتقدم لرعايته بقلبها الواسع وحنانها المتشظي ،،،، سوريا بحاجة للأمهات ليست بحاجة للسياسيين .

أيها الساسة افرنقعوا عنا .....
أعلى النموذج
أسفل النموذج


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق