الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-12-24

تقديس «الفُرُوع»، وتَهْوين «الأُصُول» // 2 // - بقلم: د. محمد عناد سليمان

أوردنا في مقالنا السَّابق بعض الأمثلة عن تعصُّب أهل العلم من العربيَّة لقواعدهم التي وضعوها من تلقاء أنفسهم، وبنائهم على ما كثُّر سماعُه، فما كان موافقًا ومسموعًا كثيرًا فلا مجال لردِّه عندهم، وما كان مسموعًا قليلاً احتاطوا منه، ولجؤوا إلى الاستعمال، أمَّا إن كان غير مسموع، فلا مجال عندهم لقبوله، وإن كان موافقًا للقياس، مِمَّا يدلُّ على قوَّة المسموع في بناء القواعد والقياس عليه إن كثُرَ واسْتُعْمِلَ، واتِّباع الموروث الثقافيِّ المتواتر عمَّن سبق من أهلهم وآبائهم وأجدادهم.

بل وصل الأمر بهم أنَّهم ينعتُون المخالف لقواعدهم بـ«الشُّذوذ» عند خروجه عن «المقاييس» التي اعتمدوها في وضع القواعد، حتى وإن كان المخالف «قراءة قرآنيةَّ»، ولا ينبغي لهم مثل ذلك؛ لأنَّ «القراءة القرآنيَّة» لا ينبغي أن تخضع لأقيستهم وقواعدهم؛ بل الواجب أن تحكمَ القراءةُ «القواعدَ» و«المقاييس»، وأن تُتخذَ أساسًا ومصدرًا في بناء القواعد، وما ذكرناه جزء من المواضع الكثيرة التي يظهر فيها تعصُّب ثُلَّة من علماء «العربيَّة» للقواعد التي بنوا عليها أحكامهم، وإن كان هذا الحكم يؤدِّي إلى رفض قراءة مشهورة، أو شاذَّة،  ولو انَّ علماء «النَّحو والصَّرف» عزفوا عن ذلك لأمدُّونا بكثير من لغتنا التي ضاع أكثرُها قبل وضعهم القواعد والقوانين التي اعتمدوها، ولضيَّقوا دائرة الخلاف التي بينهم في كثير من المسائل.

وإذا كان الحال سهلا في الخلاف الدَّائر بين علماء النّحو واللُّغة، ولا يعدو خلافًا في مسائل تخصُّ «العربيَّة» وأهلها، فإنَّ الخلاف بين علماء «الشَّريعة» أشدُّ مرارة، وأكثر صعوبة؛ لأنَّ آراءهم تنبني عليها مسألة شرعيَّة، قد تجعل متَّبِعها مؤمنًا، ومخالفها كافرًا، وهو بابٌ فيه من الخطورة ما فيه، قد أسهم بشكل أو بآخر في وصول حال الأمَّة إلى ما هي عليه من تردٍّ سياسيٍّ، واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ، وأوصلها إلى حالة من التخلُّف والضَّياع، ما لم تشهده من قبل، وقد تصل إلى فقدان وجودها إن هم لم يصلحوا ما هم عليه، وأن يعيدوا الأمور إلى نصابها، من تقديم «الأصل» على «الفرع»، والابتعاد عن تقديس «الفرع»، والتَّعصُّب لـ«لمذهب»، أو «الجماعة»، فـ«الدِّين» أجلُّ وأعلا وأكبر من مذهبيَّتهم، أو عصبيَّتهم، أو فكرهم الدِّينيِّ القائم على أساس حزبيٍّ في مجمله. 

بل إنَّ كلَّ فريق منهم يحاول أن يُلغي الآخر، ويقصيه، بحجَّة أنَّه على صواب، وأنَّ الآخر على خطأ، وإن لم يكن معه فهو ضدّه، وهو في ضلال، وقد يصل الأمر ببعضهم أن يكفِّر الآخر، ويجعله في نار جهنَّم، وكأنَّه أصبح وصيًّا على «الجنَّة» و«النَّار»، يُدخل في الأولى من يشاء، ويبعد عن الثَّانية من يشاء، تعالى الله علوًا كبيرًا عمَّا يصفون، مثلهم في ذلك مثل «اليهود» و«النَّصارى» الذين حاول كلُّ واحد منهم أن يحتكر الدِّين لنفسه، وأنَّه على الهداية والرَّشاد، وأنَّ الآخر ليس بشيء؛ في قوله تعالى:     «وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ». «البقرة 113».

بل إنَّهم وصلوا إلى حدِّ أنَّه لن يدخل «الجنَّة» إلا من كان على «ملَّتهم»، فقال تعالى: «وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ». «البقرة 111» 
وإذا كان هذا قد ذُكر في حال «اليهود» و«النَّصارى»، فقد أصبحَ موروثًا في ثقافتنا «الإسلاميَّة»، بعد أن أصبح «الدِّين» فرقًا وشيعًا، وكلُّ حزب بما لديهم فرحون، وذلك لأنَّهم لا يعلمون، فقالوا مثل قولهم، وجعلوا من «الدِّين» حكرًا لأنفسهم، فوقعوا في الضَّلال والضَّياع.

ومن أكبر ما يعترضنا في النُّصح لمثل هؤلاء، أنَّ الأتْبَاع يقعدون منَّا كلَّ مرصد، فلا يجوز الطَّعن في شيوخهم، أو أعلامهم، وإن كان أعلامهم لا يفقهون شيئًا ولا يهتدون، معتمدين في ذلك على القاعدة الدِّينية الموروثة اجتماعيًا، والقائمة على التَّقديس والتَّنزيه، وأنَّهم أصحاب حقٍّ، لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم، في اعتقاد جازم من عند أنفسهم أنَّ ما ورثوه هو «الدِّين» حقًّا، وإن كان مخالفًا لنصِّ «القرآن الكريم»، فانطبق عليهم قول الله عزَّ وجل: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا لقمان». «21». ومثل هذا الموروث قد عشتُه طويلا اجتماعيًا، فآباؤنا وأهلنا كانوا يقدِّمُون العادات والتَّقاليد على «الدِّين» الحنيف، وهذا يحتِّم علينا لزامًا أن نُطلق صفة الباطل على مجتمع يحكِّم «الدِّين الاجتماعي» الموروث، المبنيّ على ما اعتمده الآباء والأجداد، والبعيد عمَّا أنزله الله.

وهنا أشير إلى مسألة في غاية الأهميَّة، ألا وهي مسألة الاقتتال الدِّيني عبر التَّاريخ، فقد كان التعصُّب للموروث الدِّيني الاجتماعي السَّبب في خلق حالة من الخلاف، أدَّت إلى إنشاء دين خاصٍّ بكلِّ منطقة، وبكلِّ طائفة، مما أفضى إلى مرحلة من الصَّراع فيما بينها، إضافة إلى حالة من التَّكفير التي تلزم صاحبها إقامة الحدِّ عليه؛ لأنَّهم استندوا إلى الدِّين الاجتماعي الموروث، واتَّخذوا منه قاعدة، وجب الدُّخول فيها، بعيدا عن «الدِّين» المنزل، ونسوا أنَّ «الدّين» عبارة عن منهج ربَّاني لا إلزام فيه، بل للإنسان حريَّة الاختيار، فلا إجبار ولا إكراه فيه، وهو نص قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. «البقرة». «256 ».
ولعلَّ من أهمِّ الموروثات الثَّقافيَّة الدِّينيَّة الاجتماعيَّة التي وصلتنا مَّما تعلَّمه وتناقله الآباء والأجداد، أنَّ هناك أكثر من ديانة سماويَّة، كـ«المسيحيَّة» أو «النَّصرانيَّة»، و«اليهوديَّة»، و«الإسلام»، وهو خطأ كبير دَرَجَ عليه الأقدمون ومن تبعهم من المحدثين على طريق التَّقليد الأعمى، واتِّباع ما كان عليه الآباء، في حين أنَّ «الدَّين» هو «الإسلام»، بنصِّ قوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ». «آل عمران19»، في حين أنَّ «اليهوديَّة» و«المسيحيَّة» عبارة عن «طائفة» أو«فئة» من النَّاس، وليست «ديانة»، بدليل قوله تعالى: «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ». «البقرة132»، وقوله تعالى: «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ». «المائدة111»، وقوله تعالى: «وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ». «يونس84»، بل ثبت بالدَّليل القاطع أنَّ «الإسلام» ليس دين «محمَّد» صلى الله عليم وسلم، ولم يأت به كدين جديد مستحدَث؛ بل هو دين الله، والأدلَّة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ». «الحج78» ، وقوله في موضع آخر: «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ». «المائدة44»، وقوله تعالى على لسان سيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». «البقرة128».

ولو أردتُ سرْد الأمثلة على تجاوز كثير من علماء الأمَّة لـ«لأصول» وتركها، والاعتماد على «الفروع» لوقفنا على كتب ومجلَّدات، وسيقف في وجهنا أصحاب التَّعصُّب، وأهل التَّقديس والتَّبجيل والتَّنزيه، ولا يعلمون أنَّ الحقيقة مدار العلم، فهو الغاية المطلوبة، والنِّهاية المرغوبة، فنحن لسنا متعبدين بأقوال علماء العربيَّة، ولا غيرهم مِمَّن خالفهم، ولسنا متعبَّدين بأقوال من رأوا في التَّقديس غاية، وفي التَّنزيه للبشر آية، لا يقبلون نصحًا، ولا يعترفون بزلَّة.

د. محمد عناد سليمان
18 / 12 / 2013


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق