الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2014-07-19

وعند "كامبل" الخبر اليقين – بقلم: أحمد محمد كنعان

من الأمثال التي تتردد كثيراً عند العرب قولهم : "وعند جهينة الخبر اليقين" وهو مثل يضرب لمن يكون الخبر اليقين عنده لا عند سواه ، واليوم ونحن نعيش هذا التخبط العربي الذي يسميه بعضهم "الربيع العربي" ويصفه بعضهم بأنه "خريف عربي" ويتنطع آخرون بأنه "الفوضى الخلاقة" التي جاءت لتقلب الطاولة على الجميع وتعيد الترتيب مرة أخرى كما فعلها ذات يوم أغبر الشقيان سايكس وبيكو !


إن هذه الأوصاف ، وهذه الأحداث التي تجتاح الوطن العربي من الخيلج إلى المحيط جعلت العرب اليوم "في حيص بيص" وأصبحت بينهم "الطاسة ضايعة" كما يقول المثل الشامي المعروف ، وهذا ما جعل الحاجة اليوم ملحة للبحث عن الحقيقة لعل "الثلج يذوب ويظهر المرج" فنعرف راسنا من رجلينا !

وقد بحث بعضهم ، وتفكر ، وتأمل ، وضرب أخماساً بأسداس ، فوجد أن الحقيقة "عند الإنكليز" وهي قولة رائجة عند العربان ، وهي عندهم لا تقل انتشاراً وقناعة عن قول جهينة ، وهم يعتقدون جازمين أن مطبخ السياسة العالمية عند الإنكليز، ويبدو أنهم محقين إلى حد بعيد ، بدليل هذه الحكاية ...

بدأت الحكاية في عام 1905 عندما انعقد في لندن مؤتمر موسع دعا إليه حزب المحافظين البريطاني سراً ، وشارك فيه عدد كبير من عتاة السياسية والباحثين ومخططي الاستراتيجيات من أقطار أوروبا عديدة ، وكانت له آثار خطيرة جداً على مسار الأحداث بعد ذلك ، ولاسيما على المنطقة العربية خاصة ، وعلى المسلمين عامة !

ولكي ندرك خطورة هذا المؤتمر يكفي أن نعلم أن المداولات بين المشاركين في هذا المؤتمر قد استمرت طوال عامين كاملين ، وأنه ضم الدول الاستعمارية كلها في ذالك الوقت ( بريطانيا ، فرنسا ، هولندا ، بلجيكا ، اسبانيا ، إيطاليا ) وفي النهاية خرج المؤتمرون بوثيقة سرية عرفت بــ "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك "هنري كامبل بانرمان" الذي وضع خطوطها العريضة ، وقد بناها على رؤية بعيدة المدى انطلقت من الشعور بأن الرجل المريض (=الدولة العثمانية) بات في النزع الأخير ، وهي فرصة كبيرة لملء الفراغ بعد غيابه عن منطقة البحر الأبيض المتوسط الذي كان يسيطر فيه ، وهذا البحر يعد الشريان الحيوي لنا ( يعني الدول الاستعمارية ) وأن هذا البحر هو الجسر الذي يصل الشرق بالغرب ، وأنه الممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم ، وأنه مهد الأديان والحضارات ، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والدين واللسان ( يعني العرب المسلمين خاصة ) وهو يشكل خطراً كبيراً على حضارة الغرب ، ومن ثم يجب إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متخلفة ، واستناداً إلى هذه الرؤية الاستراتيجية اتفق المؤتمرون على تقسيم دول العالم إلى ثلاث فئات :
·      دول الحضارة الغربية المسيحية ( دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا ) والواجب تجاه هذه الدول دعمها مادياً وتقنياً لتصل إلى مستوى تلك الدول .
·      دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ( مثل دول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها ) لكن لا يوجد تصادم حضاري معها ، ولا تشكل تهديداً عليها ، فالواجب تجاه هذه الدول احتواؤها ودعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديداً .
·      دول أخرى أيضاً لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية لكن يوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديدا على الحضارة الغربية فيما لو نهضت وتفوقت ( هي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام ) والواجب تجاه هذه الدول حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية ، وعدم دعمها ، ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية ، ومحاربة أي توجه وحدوي بين دولها .
وبناء على هذه الرؤية وضع المؤتمرون في أولى توصياتهم إقامة "إسرائيل" في فلسطين لكي تشكل حاجزاً بشرياً قوياً وغريباً ومعادياً يفصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي ، ليحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب ، وسريعاً ما أعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك "آرثر جيمس بلفور" وعده المشؤوم الذي تضمن إقامة دولة لليهود في قلب الوطني العربي التي شكلت منذ نشأتها وحتى اليوم سبباً رئيسياً في مختلف الكوارث التي حلت بالوطن العربي !
بعد ذلك تدحرجت الحجارة وراح البنيان العربي يتهدم لبنة بعد ابنة ، وبدأت نتائج "كامبل" تنزل على العرب كارثة بعد كارثة ، بادئة بفرض الانتداب على الوطن العربي في عام 1914 ، ثم إسقاط الخلافة العثمانية في عام 1924 بتواطؤ مصطفى كمال أتاتورك ، ثم احتلال فلسطين وإعلان الكيان الصهيوني فعلاً في عام 1948 ، ثم العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 ، ثم إفشال الوحدة السورية المصرية ووقوع الانفصال في عام 1961 ، ثم النكسة المدوية في عام 1967 التي هزمت فيها ثلاثة جيوش عربية في مصر وسورية والأردن وانتهت باحتلال الكيان الصهيوني أراضي شاسعة من هذه الدول تعادل أضعاف المساحة التي كانت لدى إسرائيل !
وهكذا مضت توصيات "كامبل" تنفذ بحذافيرها ، يوماً بعد يوم ، وسنة بعد سنة ، لتجعل الدول العربية اليوم في مهب الريح ، وفي أبأس حال ، وقد أظهرت الفوضى التي تجتاح الوطن العربي هذه الأيام أنها ليست بعيدة عن "وثيقة كامبل" التي يبدو أنها ملآى بالكثير مما لم يظهر إلى العيان بعد ، وهذا يعني أن الخبر اليقين بات حقاً عند الإنكليز !
وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن زعم بعض الحكام العرب الذين زلزلته الأحداث الحالية بأنهم معرضون إلى مؤامرة عالمية تستهدف عروشهم ، فالصحيح أن هؤلاء الحكام جزء مشارك أساسي من هذه المؤامرة ، وأنهم بانفصالهم عن شعوبهم يساهمون بتوصيات "كامبل" ويشاركون أحبار تلك الوثيقة المشؤومة بالهجمة على الأمة لكي تظل في حالة من التخلف والضعف والهزيمة ، فهل يدرك هؤلاء حجم الجريمة التي يرتكبون !
أحمد محمد كنعان

Kanaan.am@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق