الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2014-10-26

صفحات مجهولة من حياة المرأة السورية (الحلقة الثالثة) السيف الدمشقي نازك العابد – بقلم: محمد فاروق الإمام

صفحة ناصعة وشعلة مضيئة في تاريخ المرأة العربية الحديث والمعاصر، قيل عنها أنها "السيف الدمشقي المنسي"، وأطلقت عليها بعض الصحف الأوروبية لقب "جان دارك العرب".
إنها نازك العابد التي تحدث عنها السيد عبد الغني العطري في مقال حمل عنوان: "حكاية امرأة مناضلة": "لم يشهد تاريخنا الحديث مثيلاً لنازك العابد في صدق الوطنية والكفاح المتواصل والشجاعة التي قل نظيرها في التاريخ".
ينحدر "آل العابد" من عشيرة الموالي استوطن جدهم محمد بن الأمير قانص في حي الميدان بدمشق عام 1700، عمل أفراد الأسرة بتجارة الحبوب والمواشي، وأصبح لهم نفوذ واسع في حي الميدان.


انتشر ذكر آل العابد في أواخر القرن التاسع عشر، عندما أجار عمر آغا العابد "مسيحيي حي باب مصلى" وأوقف بنفوذه مشاركة سكان الميدان بأعمال الشغب في تموز 1860، وخلال تلك الفترة كان لآل العابد دور مهم في السياسة في إقليم سورية.
في خضم أحداث تلك الفترة وقفت ثلة من النسوة السوريات إلى جانب الرجل، مناضلات مكافحات في سبيل الحرية، وعلى الرغم من محدودية المشاركة إلا أن المرأة السورية شقت طريقها بعنفوان وتحدي، حيث وقفت مجموعة من الرائدات اللاتي اقتحمن الحياة العامة عنوة، وناضلن في سبيل عزة ورقي الوطن. وبالرغم من تموضع نشاطهن الأساسي في الصالونات الأدبية والمجلات النسائية، إلا أن مشاركتهن في الهموم العامة والحياة السياسية للوطن تركت بصمة واضحة لا يمكن إنكارها، وهنا كانت السيدة نازك العابد في مقدمة تلك النساء.
أبصرت نازك العابد النور عام 1887, والدها مصطفى باشا العابد من أعيان دمشق، تولى محافظة الكرك، وولاية الموصل في أواخر الفترة العثمانية، وأمها فريدة الجلاد، من النخبة المتنورة من نساء المجتمع الدمشقي. ‏
وعليه نشأت نازك العابد في بيئة النخبة تعلمت مبادئ اللغات العربية والتركية في المدرستين الرشيديتين الدمشقية والموصلية ودرست الفرنسية في مدرسة الراهبات في الصالحية بدمشق، كذلك تعلمت مبادئ الإنكليزية والألمانية، نفيت مع عائلتها في الحرب العالمية الأولى إلى "أزمير" فدخلت مدرسة الفردوس للمرسلين الأمريكان. لتتابع فيما بعد تحصيلها العلمي في المعاهد الخاصة للتعليم، واهتمام جلي بالإلمام بعلمي التمريض والاسعاف.
بدأت نشاطها بمجرد عودتها من المنفى في أواخر 1918، بالكتابة فكتبت في بعض الصحف كـ"لسان العرب" واتخذت من مجلتي "العروس" ( وهي أول مجلة صدرت في سورية لصاحبتها “ماري عجمي”) ومجلة الحارس منبراً لآرائها وأفكارها المستنيرة الجريئة، كذلك شاركت في المؤتمرات النسائية الوطنية والدولية في مصر ولبنان، أسست وترأست عقب الثورة العربية الكبرى عام 1916 جمعية "نور الفيحاء" لمساعدة ضحايا الثورة, ناصرت في كتاباتها حق المرأة في الانتخاب السياسي عندما طرح في المؤتمر السوري 1919.
وتحدثت بلسان الجمعية واستكتبت سيدات دمشق العرائض اللازمة لتأييد الاستقلال أثناء وجود "لجنة كراين الأميركية" لاستفتاء السوريين في الانتداب عام 1919، و قادت تظاهرت نساء المعارضة، مما أثار إعجاب مستر كراين بذكائها وقوة حجتها، فكان اسمها ضمن أبرز الأسماء في أوراقه وخواطره. ‏وقبل أن يغادر البلاد طلب منها أن تختار عدداً من الطالبات، لينفق من ماله على تعليمهن في الكلية الأميركية للبنات.
عينها الملك "فيصل بن الحسين" رئيسة لجمعية النجمة الحمراء عام 1920، لتصدر في أول شباط 1920 مجلة "نور الفيحاء" وهي مجلة أدبية اجتماعية، بهدف النهوض بالمرأة, كذلك أسهمت في تأسيس "النادي النسائي الشامي" الذي ضم نخبة سيدات الشام، ومدرسة بنات الشهداء ومكتبتها، كذلك أسهمت في إنشاء مصنع للسجاد -كان يخصص ريع المبيعات لصالح الأيتام-، منحت رتبة عسكرية فخرية "نقيب" في الجيش زمن الملك فيصل نتيجة لمواقفها البطولية والوطنية.
شاركت نازك ، بوعي وبشعور بالمسؤولية، في الحياة السياسية، فحازت على مكانة اجتماعية مرموقة واستحقت ثقة الملك فيصل وتقدير حكومته، فصدر أمر ملكي بمنح، هذه الوطنية المثالية، رتبة عسكرية فخرية (نقيب).
نضالها ضد الاستعمار- ومع شروع الفرنسيين بالتمهيد للغزو وإنذار الملك فيصل بالمغادرة، واستعداد الجيش العربي لصد العدوان الفرنسي 1920 بادرت إلى إنشاء مستشفى للجرحى وهيأته في بضعة أيام. ومع خيبة الأمل كشفت نازك اللثام عن شجاعة قل نظيرها لتمضي بلباسها العسكري مخترقة صفوف الثوار مدافعة عن الوطن والحرية تحفز الهمم وتوقد حماسة المدافعين، ‏ وبصحبة وزير الحربية يوسف العظمة في ميسلون 24 تموز1920 تفقدت الجند، ويقال أنها هرعت إليه بعد أصابته في المعركة وبأنه أسلم الروح بين يديها.
‏وبدخول القوات الفرنسية أرض الوطن، بدأت نازك العابد نضالها ضد المستعمر لتقف مع حرائر دمشق في الاحتجاج عنوة على الانتداب الفرنسي؛ وذلك بتنظيم مظاهرات تطالب برحيل قوات الاحتلال، والاستقلال والحرية، وعليه بدأت نازك كفاحها سراً وجهراً بكل الوسائل المتاحة، فضاقت أعين الانتداب الفرنسي بنشاطها، ورصدتها شرطته، فأغلقت المجلة والمدرسة، ومنعتها من عقد ندوات خاصة وعامة، فما كان منها إلا الالتحاق في صفوف المقاومة السرية لمقارعة المستعمرين.
نفيت عن الوطن بعد دخول المستعمر الفرنسي إلى دمشق نتيجة مواقفها الوطنية, فأبعدت إلى اسطنبول لمدة عامين (1920 – 1922) وعند عودتها رصد الفرنسيون تحركاتها لإدراكهم مدى خطورة نشاطها، تعرضت نازك العابد بسبب شجاعتها وإقدامها ونشاطها الوطني، لمضايقات شتى، اضطرتها للجوء إلى شرق الأردن، حيث أصيبت بخيبات لم تكن تتوقعها، فراحت تلتمس لقضية بلادها آفاقاً خارج حدود الوطن؛ تنشر فيها أخبار الثورة العربية وأسبابها وملابساتها، وحق بلادها في الحرية والاستقلال.. وساعدتها شجاعتها ويسارة عيشها على التجوال في أميركا وعواصم الغرب شارحة واقع بلادها ومطالب قومها الوطنية، على زعماء السياسة والصحافة، فحظيت بالإعجاب والتقدير، فنوهت الصحف الغربية عن جرأتها وبطولتها ولقبتها بـ"جان دارك العرب" وجعلت الرحالة والكاتبة الانكليزية "روزيتا فوريس" من مواقف نازك العابد حبكة لروايتها "سؤال" التي نشرتها عام 1922.
طال تجوال نازك بعيدة عن أهلها ووطنها، فعادت إلى الوطن بعد تعهدها بعدم المشاركة في أي عمل يمس سلطة الاحتلال، فرضت عليها السلطة الإقامة الإجبارية في مزرعتها الخاصة في ضواحي دمشق، فراحت تشتغل في الزراعة، وهناك تعايشت مع أهل الغوطة الشرقية، فساعدتهم في تطوير العمل الزراعي، وأوقدت فيهم روح الثورة على المستعمر, فكانت أحد ثوار ثورة 1925، حيث عملت بصمت وخفاء متنكرة بزي الرجال. غير آبهة بالأخطار والعواقب.
‏تقدم لخطبتها عام 1929 محمد جميل بيهم الذي مثل بيروت في المؤتمر السوري الأول الذي انعقد في دمشق عام 1920 فتزوجت نازك منه وانتقلت للإقامة في بيروت. إلا أن وجودها في بيروت لم يثن من عزيمتها بل ازدادت نشاطاً في العمل من أجل النفع العام فأسست جمعيات اجتماعية عدة منها: جمعية المرأة العاملة، وميتم تربية بنات شهداء لبنان عام 1957. وفي السبعين من عمرها أسست لجنة مهمتها تثقيف الأم اللبنانية في مجالات الحياة كافة. انتخبت عام 1959رئيسة لها، وقد أقيم بهذه المناسبة أول احتفال بعيد الأم في لبنان.
توفيت نازك العابد في العام نفسه 1959م عن عمر يناهز 72 عامًا، قضتها في النضال في سبيل عزة بلادها وصون كرامتها، ودفنت في مقبرة العائلة في باب الآس في حي الميدان في دمشق، وفي حفل تأبينها الذي أقيم برعاية الجمعيات النسائية اللبنانية تكلم المفكرون والخطباء عن الأديبة والمناضلة السورية التي صاغت بمواقفها البطولية جزءًا مهمًا من تاريخ سوريا الوطني.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق