الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2014-10-13

بئر معونة – بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي

في السنة الرابعة للهجرة قَدِم أبو براء بن عازب بن مالك، ملاعبُ الأسنّة، وهو سيّد قومه بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم  في مدينته الطيبة، وأهدى النبيَّ صلى الله عليه وسلم هديةً لم يقبلها، وقال: (يا براء، لا أقبل هدية مشرك)، ثم عرضَ عليه الإسلام، وبما أن الزعماء يكبر عليهم أن تُردَّ هديتهم لأنها عنوان سيادتهم، فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمْرك هذا حسنٌ – ولم يسلم – فلو بعثتَ رجلاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى دينك لرجوت أن يستجيبوا لك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((أخشى عليهم أهل نجد ففيهم غدر)).
قال أبو براء: أنا جار لهم.


ماذا يفعل رجل واحد مع رجال قلوبهم قدَّت من صخر، وسكن الشيطان في صدورهم، وفرَّخ فيها؟ لأبعثنَّ لهم رجالاً صدقوا الله ما عاهدوه عليه، حياتهم للقرآن، يتدارسونه كل وقتهم، ولْيكونوا من الأنصار الذين آمنوا بي ونصروني، وأعزَّ الله بهم وبمدينتهم الإسلام، وهبُوا حياتهم لمولاهم، وقرآنه محفوظ في عقولهم وأفئدتهم، أسميتهم القرّاء، يتدارسونه في الليل، ويخدمون إخوانهم في النار، فيجيؤون بالماء إلى المسجد لينتفع به المحتاجون شرباً ووضوءاً، وينطلقون إلى أحراش المدينة، فيحتطبون ويبيعون الحطب، فيشترون لأهل الصفّة من الفقراء والمحتاجين طعاماً.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى نجد سبعين رجلاً من القرّاء، فيهم حرام بن ملحان، خال أنس بن مالك، وعامر بن فُهيرة، وساروا حتى نزلوا بئر معونة، من أرض بني عامر فلما نزلوها أرسلوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم  إلى شيخ قبائلهم عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يَرْعَ حرمة رسوله، فعدا عليه فطعنه وقتله، فقال حرام وهو يلفظ أنفاسه: فزت وربِّ الكعبة، .. فاز بالجنّة، عرضها السماوات والأرض، وفاز برضوان الله تعالى، فحياتُه، وعمله، وأمله أن يصل إلى هذا، ووصل لأنه كان صادقاً يسعى بكل ما أوتي إلى لقاء الله، فلقيه، فأحسن الله وفادته.
واستصرخ عامر بن الطفيل بني عامر لقتل القرّاء، فقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، لكنهم تخاذلوا عن نصرة المسلمين القادمين إليهم ليعلّموهم ويفقهوهم، حين استصرخ بقية القبائل من بني سليم وعصيّة، ورعل، وذكوان، فأجابوه وخرجوا إلى المسلمين وأحاطوا بهم حتى قتلوهم عن آخرهم.
هكذا أعداء الله، لا يرعَون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً، فهم لا يريدون لراية الإسلام أن تعلو خفاقةً، ولا لضياء الحقِّ أن ينير الدنيا خيراً وعدلاً، يقتلون الدعاة ويكممون الأفواه، ويفترون عليهم أسوأ الصفات، ويزعمونهم خارجين على الأمة إرهابيين متخلفين! وهم هكذا في كل زمان ومكان، يريدون أن يطفئوا نور الله، ولكن هيهات هيهات، فما للمخلوق قِبَلٌ للخالق، ولا الضعيف بالقوي طاعة.
قال القرّاء وهم يرون مصارعهم حين أحاط بهم الأعداء، فُزنا وربّ الكعبة كما فاز حرام بن ملحان، وانتضوا سيوفهم وقارعوا عدوهم وجأروا إلى الله بالدعاء: اللهم بلّغ عنّا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا بك ربّاً وبشرعك ديناً، وبنبيّك رسولاً، وأنك رضيت عنا فأدخلتنا الجنة وشملتنا برحمتك وغفرانك.
وأمر الله تعالى سفيره الكريم جبريل عليه السلام فأوصل ما قالوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال للمسلمين: (إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.) وصلى رسول الله والمسلمون معه على هؤلاء الشهداء صلاة الغائب، وحزن عليهم، وكيف لا يحزن المسلمُ على إخوانه، وهم قد بذلوا أرواحهم وحياتهم لله، وقال صلى الله عليه وسلم :(هذا من عمل أبي براء، لم يدافع عنهم) ، فبلغه ما قال النبي الكريم، فحملته النخوة العربية والخوف من العار إلى أن طعن عامر بن الطفيل فخَرَّ عن فرسه، ودميَ، وعرف الأخير أنه أساء لعمّه فقال: إن مِتُّ فلا تنالوه بسوء، دمي حلال له، لكنّه لم يمت.
رحم الله قتلى بئر معونة، ورحم الدعاة في كل أرض وكلّ زمن، فإن إيذاءهم يترى، والتضييق عليهم يستمر، ورغم كل هذا فهم على طريق الهدى سائرون.
رضي الله عنهم وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
رياض الصالحين
باب الجهاد في سبيل الله


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق