الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2014-04-19

قراءة في تجارب الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية (2) حركة النهضة في تونس بقلم: أحمد محمد كنعان

تمهيد :
يعود تاريخ "حركة النهضة" إلى نحو نصف قرن مضى ، وقد استطاعت منذ تأسيسها أن تكون التيار الإسلامي الأبرز في تونس ، وأقامت أول لقاءاتها التنظيمية بصفة سرية عام 1972 تحت اسم "الجماعة الإسلامية" ، وكان من أبرز مؤسسيها أستاذ الفلسفة "راشد الغنوشي" ، والمحامي "عبد الفتاح مورو" ، واقتصر نشاطها في البداية على الجانب الفكري من خلال حلقات المساجد وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، وتذكر معظم المصادر أن الحركة تسير على منهج وفكر جماعة الإخوان المسلمين ، وتصنفها على أنها إخوان تونس ، وتؤكد أن رئيس الحركة ومؤسسها راشد الغنوشي عضو في مكتب الإرشاد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين ، على الرغم من أن الحركة لم تذكر في بيانها التأسيسي أنها مرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين" ، وصرح رئيس الحركة راشد الغنوشيفي مناسبات عديدة أن جماعة الإخوان ليست مرجعية للحركة ، وإن كانت حليفاً لها.


وقد لقي نشاط الحركة ترحيباً ضمنياً من جانب "الحزب الاشتراكي الدستوري" الحاكم آنذاك ، الذي رأى في الحركة الإسلامية سنداً له في مواجهة التيار اليساري الذي كان يتزعم المعارضة ، وسمحت السلطات الحاكمة آنذاك للجماعة أن تصدر مجلة "المعرفة" التي أصبحت منبراً إعلامياً للحركة ، وفي عام 1979 نظمت الحركة مؤتمراً سرياً للمصادقة على نظامها الداخلي الذي أسس هيكلها التنظيمي ، ثم عقدت مؤتمرها الثاني بشكل سري أيضاً في مدينة سوسة عام 1981 في نفس الفترة الذي عقد فيها الحزب الحاكم مؤتمره الاستثنائي الذي أعلن فيه الرئيس "الحبيب بورقيبة" أنه لا يمانع من وجود أحزاب أخرى إلى جانب حزبه ، فتشجعت الحركة على العمل العلني ، وغيرت اسمها فأصبح "حركة الاتجاه الإسلامي" وتقدمّت بطلب للحصول على ترخيص رسمي لكنها لم تتلق رداً ، وواصلت نشاطها فألقت السلطات القبض على قياداتها وقدمتهم للمحاكمة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها ، واتهمت الحركة بالنيل من رئيس الجمهورية‏ ، ونشر أنباء كاذبة ، وتوزيع منشورات معادية ، وحكم على "الغنوشي" و "مورو" بالسجن عشر سنوات ، لكن أفرج عن مورو بعد حوالي عامين وعن الغنوشي في العام التالي .
وكانت هذه الأحداث كفيلة بصعود نجم الحركة وانتشارها الجماهيري ، ما جعل السلطات الرسمية تتوجس منها خيفة ، واتهمتها ببعض الأعمال الإرهابية والتفجيرات ، وقبضت على الغنوشي من جديد وقادته إلى السجن وحكمت عليه بالأشغال الشاقة مدى الحياة ، وعندما أطاح زين العابدين بن علي بالرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 رحبت الحركة بذلك ، وأفرج النظام الجديد عن أغلب أعضاء الحركة ، وفي العام التالي وقعت الحركة على "الميثاق الوطني" التي دعا إليها الرئيس بن علي لتنظيم العمل السياسي في البلاد ، وفي فبراير 1989 غيرت الحركة اسمها إلى "حركة النهضة" وتقدمت بطلب لترخيصها بناء على قانون الأحزاب الجديد الذي يمنع إقامة أحزاب على أساس ديني ، لكن طلبها قوبل بالرفض ، ما اضطرها للمشاركة بانتخابات 1989 التشريعية تحت لوائح مستقلة وحصلت على 13% من الأصوات .
وفي عام 1990 تأزمت العلاقة بين الحركة والسلطة ، وبلغت هذه الأزمة ذروتها خلال أزمة "حرب الخليج" من نفس العام ، ولم تلبث الحكومة أن اتهمت النهضة بمؤامرة تستهدف قلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي ، واعتقلت عدداً كبيراً من قادتها وأعضائها وحكمت على 256 منهم بأحكام قاسية وصل بعضها إلى السجن مدى الحياة ، لكن جمعيات حقوق الإنسان وجهت انتقادات حادة ضد هذه الأحكام فاضطرت السلطة للإفراج عن أغلب عناصر الحركة ، لكن بقي نشاطها محظوراً طوال حكم الرئيس بن علي ، ولم يسمح لها بالنشاط إلا بعد الإطاحة به أواخر عام 2010 .

ربيع تونس والخيارات الصعبة :
لقد عاشت حركة النهضة سنوات طويلة من المواجهات الحادة والملاحقات والسجن والتشرد في الآفاق ، فلا غرابة أن نجد الحركة في أضعف حالاتها عندما وقعت الثورة التي أطاحت بالرئيس "زين العابدين بن علي" واضطرته للرحيل ، ومع رحيل الدكتاتور والانفراج الذي عاشته البلاد بعد ذلك عادت الروح تدب بالحركة من جديدة ، فبدأت تلملم صفوفها وتجمع عناصرها وتعيد تنظيم صفوفها ، واستطاعت في زمن قياسي أن تصبح أكبر حزب سياسي في تونس ، فحصدت مليون وأربع مائة ألف صوت ، وفازت بـ 89 مقعداً في المجلس التأسيسي ، وقد وضعها هذا الفوز الكبير أمام خيارات صعبة : فهل تتريث فلا تورط نفسها بإدارة البلاد في هذه المرحلة الانتقالية العسيرة ؟ أم تستثمر هذه الفرصة النادرة وتتولى القيادة التي ظلت لسنوات طويلة تتطلع إليها ؟ وبعد جدال طويل داخل صفوف الحركة مالت إلى الخيار الثاني ، فرشحت أمينها العام "المهندس حمادي الجبالي" لرئاسة الحكومة ، الذي قبلته المعارضة المتربصة بالحركة على مضض ، وبما إن الحركة لم تحرز الأغلبية الكافية في المجلس الوطني التأسيسي المكلف بكتابة دستور جديد للبلاد فقد اضطرت الحركة للبحث عن شركاء لتشكيل الحكومة ، لكن معظم أطراف المعارضة رفضوا المشاركة ، ما عدا حزبين قبلا تشكيل الائتلاف حكومي معها ، هما "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي يقوده "المنصف المرزوقي" وهو حزب لبرالي ذو توجه قومي ، و "حزب التكتل من أجل العمل والحريات" الذي يقوده "مصطفى بن جعفر" ، وبطبيعة الحال لم تكن هذه الشراكة سهلة ، فقد كشفت عن خلافات واسعة وعميقة بين أطراف الائتلاف حول العديد من المسائل الأساسية ، لاسيما منها طبيعة النظام السياسي المنشود وموضع المرجعية الإسلامية منه ، وتكوين الدستور الجديد المقترح ، وقد زاد من حجم هذه الخلافات استئثار الحركة بالحقائب الوزارية السيادية ، وتعزيزها لصلاحيات رئيس الحكومة المنتمي إليها على حساب صلاحيات رئيس الدولة مما سبب أزمات عديدة بين الرئيسين هددت بانهيار الائتلاف ، كما حاولت الحركة ترضية عدد من أعضائها بوظائف جعلت الدوائر الحكومية مترهلة وهذا ما أضعف الائتلاف ، وأضعف أداء الحكومة .

تحديات كبيرة وإنجازات متواضعة :
       عندما سقط النظام السابق ، وغادر بن علي البلاد ، ترك وراءه اركة ثقيلة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة التي قدر الخبراء أنها تحتاج عشر سنوات على الأقل لإصلاحها ، وهذا ما يفسر ــ إلى حد ما ــ تواضع الإنجازات التي استطاعت حكومة النهضة تحقيقها خلال العام الأول من توليها السلطة ، ومع هذا فقد كانت هناك إنجازات لا تنكر ، منها على سبيل المثال تنشيط الدورة الاقتصادية التي جعلت نسبة النمو ترتفع إلى 3.3% بعد أن كانت 2 تحت الصفر ، وتحسن الوضع الأمني ، وتطوير العلاقات بين تونس والعديد من الدول العربية والأوروبية ، كما كانت هناك محاولات جادة من حكومة النهضة لجلب استثمارات خارجية تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي .
إلا أن كل هذه الانجازات لم تشفع لحكومة النهضة عند المعارضة التي ظلت تتربص بها الدوائر وتمارس عليها الضغوط مطالبة إياها بتحسين أوضاع المعيشة وتوفير فرص للعاطلين عن العمل ، كما تعاظمت احتجاجات العديد من المدن التي طالبت الحكومة بتحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية المهترئة ، إضافة إلى الضغوط التي مارستها بعض الدول التي ساءها صعود الحركة الإسلامية إلى السلطة ، ما جعل هذه الدول لا تفي بالتزاماتها المالية التي كانت قد وعدت بها لدعم الاقتصاد التونسي ، مما اضطر الحكومة للاقتراض من أجل تغطية العجز ، وترتب على ذلك ارتفاع معدلات غلاء المعيشة ، وزاد حدة الاحتقان الاجتماعي ، وأثار احتجاجات واسعة في بعض المناطق الفقيرة والمحرومة ، ووجدت الحكومة نفسها في مواجهة غير متوقعة مع فئات واسعة من الجماهير .
وهناك تحديات من نوع آخر واجهت حكومة النهضة تمثلت بالتحاق أعداد غفيرة من المواطنين بالحركة طمعاً ببعض المكاسب ، مما أربك الحركة وانعكس سلبياً على أدائها ، كما حصلت خلافات داخل الحركة نفسها ، إذ رأى بعض عناصرها أن الحركة بدأت تتنازل عن القيم الإسلامية التي قامت عليها طمعاً بالمحافظة على السلطة ، لكن رئيس الحركة "الغنوشي" ظل يردد بأن هذه الخلافات في صفوف الحركة طبيعية ومتوقعة ، وأنها ليست جديدة ، وأنها تتطلب سعة صدر لتحمل آراء الآخرين ، وتوفير أرضية فكرية مشتركة تقبل بالإسلام سقفاً للجميع ، وأن هذه الخلافات تعكس حالة التنوع في الحركة ، وهي مظهر من مظاهر الثراء الفكري ، وتعبير عن حالة ديمقراطية طالما نادت النهضة بها .
إلا أن كل هذه التعلات من رئيس الحركة لم تمنع ظهور خلافات حادة ما بين رؤى الحركة من جهة ، ورؤى الحكومة من جهة أخرى ، منها الاختلاف حول تعيين بعض الوزراء ، ومعالجة بعض القضايا المتعلقة بالفساد وتعويضات المتضررين من النظام السابق ، وهذا ما زاد في التعقيدات التي واجهتها حكومة النهضة وقيد حركتها وجعل إنجازاتها أقل من المتوقع ، وقد أعطت هذه المشكلات مبرراً كافياً للخصوم الذين ظلوا ينادون بفصل الحزب عن الدولة كي لا تتكرر كارثة العهد السابق الذي استأثر فيه حزب بين علي الحاكم بكل شيء ، وعلى الرغم من أن النهضة كان لها شركاء في الحكم من غير حزبها إلا أن الاحتمال ظل ماثلاً على الأقل في أذهان المعارضة التي ظلت تطالب الحركة بمشاركة أوسع للحيلولة دون انفرادها بالسلطة ، لكن الحركة ظلت تعاند ، واستمرت تبرر نزوعها ذاك بأنه من حقها ، وأنه من تقاليد البلدان الديمقراطية التي تعتمد اعتماداً أساسياً على كوادرها في إدارة الدولة بما أنها تتحمل مسؤولية السلطة فيها ، لكن كل هذه الحجج لم تقنع الخصوم الذين ظلوا يحتجون بأن المرحلة التي تمر بها البلاد مرحلة حساسة تتطلب الاعتماد على الكفاءات ، لا على الولاء الحزبي .
صراع الأضداد :
والحقيقة أن العامل الإديولوجي كان هو العامل الأهم في هذا الصراع ما بين النهضة وخصومها الذين ظلوا في الحقيقة يخشون من أسلمتها للدولة ، فبعد نجاح الثورة وفرار بن علي عاد الاستقطاب الإديولوجي بين أقطاب السياسة التونسية إلى الواجهة ، وتعود جذور هذا الاستقطاب إلى ثمانينات القرن الماضي حين حصلت صدامات عديدة بين التيار الإسلامي والتيار الماركسي اللذين كانا يتنازعان ولاء طلاب الجامعات ، إلا أن اتفاق التيارين على مواجهة استبداد نظام بن علي في ذلك الحين خفف من حدة الصراع بينهما ، فبدأ التياران يتقاربان ، وانضم إليهما حزب العمال الشيوعي ، وتوج هذا التقارب بتأسيس هيئة تنسيق مشتركة أدارت التحالف تحت عنوان "حركة 18 أكتوبر" لكن مع سقوط نظام بن علي وبروز حركة النهضة لاعباً رئيسياً على الساحة السياسية عاد ذلك الاستقطاب الإديولوجي إلى الواجهة من جديد ، وعلى الرغم من الائتلاف الذي أقامته النهضة مع حزبين علمانيين بهدف تجاوز منطق الصراع الإديولوجي إلا أن الصراع استمر بين عموم التيار الإسلامي والتيار العلماني ، مما أدخل الحركة في معارك جانبية أثرت كثيراً على أداء حكومتها ، وبدا واضحاً أن هناك مؤامرة تستهدف فرط عقد الائتلاف وإفشال الحكومة في تنفيذ برامجها ، وقد قاد هذه المؤامرة فلول النظام السابق ، وبعض وسائل الإعلام ، وقوى اليسار المتطرف ، وبعض النقابيين والحقوقيين ، بدعم من جهات خارجية كان من أبرزها فرنسا ، وهكذا بدا الجو شديد الاضطراب ، ما جعل المجتمع التونسي يعيش فترة حرجة تتسم بالقلق والخشية من مستقبل غامض ينتظر البلاد !
الحصيلة :
وقبل أن نجري جردة حساب لتجربة النهضة في السلطة لابد من التأكيد مجدداً بأن حجم التركة التي خلفها النظام السابق كانت ثقيلة جداً ، كما أن المشكلات المعقدة التي برزت بعد الثورة أثرت تأثيراً كبيراً على أداء حكومة النهضة ، إلى جانب تواضع خبرة واحترافية أعضاء الحكومة ، وقد بذلت الحكومة جهوداً لا تنكر في معالجة هذه المشكلات ، لكن حصيلة الإصلاح كانت متواضعة وأقل مما انتظره التونسيون .
من جهة أخرى ، يلاحظ أن مشاركة النهضة في الحكومة اضطرها لأن يكون خطابها أكثر واقعية ، حتى إن بعض الإسلاميين رأوا أن خصوصيتها الدينية كادت تختفي تماماً ولم تعد تتميز عن بقية الأحزاب إلا ببعض الشعارات ، وهذا ما دفع الإسلاميين لاتهامها بالتخلي عن مشروعها الإسلامي في سبيل إرضاء خصومها وشركائها السياسيين .
أضف إلى هذا أن ما قطعه المجتمع التونسي خلال العهد البائد من خطوات على طريق التحديث لم يكن بمقدور حكومة النهضة تجاهله ، إضافة إلى ضغوط خصوم الحركة العلمانيين ، والضغوط الدولية التي بدأت تواجه الحكومة ولاسيما منها الدول الأوروبية التي ترتبط بها تونس ارتباطاً تاريخياً ، وهذا ما جعل حكومة النهضة عرضة لتجاذبات مختلفة ، بعضها يشدها نحو هويتها الإسلامية ، وبعضها يشدها باتجاهات أخرى مراعاة للمعادلات الدولية والإقليمية والإديولوجية ، وهكذا أظهرت تجربة النهضة في الحكم أن ممارسة السلطة في المراحل الانتقالية ــ في أعقاب الثورات بخاصة ــ ينطوي على تحديات عظيمة ، من أبرزها تآكل الرصيد الشعبي لمن يجازف فيمسك بالسلطة في هذه المرحلة الحرجة ، لأنه سيجد نفسه عاجزاً عن تلبية تطلعات الناس الذين ينتظرون منه تحقيق الكثير في وقت قياسي غير متاح وغير ممكن .
كما أظهرت تجربة النهضة في الحكم أن العمل السياسي يختلف جذرياً عن العمل الدعوي الذي دأبت الحركات الإسلامية على ممارسته ، فالعمل السياسي يتطلب عقلية براغماتية تتعامل مع الأحداث بواقعية بعيداً عن المثاليات التي هي عادة من طبائع الحركات الإديولوجية ، ولهذا فلا غرابة أن يصف الغنوشي "السلطة" بأنها عامل تهرئة ، وأن يعترف كذلك بالفارق الكبير بين من يبشر بالمثل العليا وبين من يحاول ممارستها ، والفرق كذلك بين من يخطب في الناس وبين من يُطلب منه تأمين لقمة العيش لهم !
أحمد محمد كنعان
Kanaan.am@hotmail.com



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق