الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-10-11

أبناء الأبطال - بقلم: أيهم نور الدين

لا أحد يدري متى حصلت هذه القصة بالضبط .. ربما بعد عام وربما عشرة .. المهم أنها حصلت بعد فترة قليلة من سقوط النظام .

كان الوقت خريفياً مشمساً , وعمار يجلس مسترخياً يرمق شمس الغروب وهى تغيب في البحر , متلذذاً بنفس المعسل الذي أحضره له النادل محمود لحظة وصوله.. بينما جلس بجانبه فادي وسامر يتسلون بلعب الشيش بيش .


كان الرفاق الثلاثة يجتمعون يومياً – منذ أول الصيف - بهذا الوقت في مقهى مرعب أحد أشهر معالم كورنيش جبلة .. كانت أعمارهم متقاربة , ثقافتهم وبيئتهم متقاربة أيضاً , فهم الثلاثة من أبناء أبطال الثورة المباركة التي دكت عرش الأسد وأنهت إلى الأبد هيمنة تلك العائلة على مقدرات الوطن .

كانوا يفخرون بآبائهم الذين لم ينس الوطن ما قدموه له في تلك الأيام الحالكة فجعلهم مقيمين دائمين في جميع الوزارات التي تشكلت بعد الثورة .

كان والد عمار قد أصبح معاوناً لوزير الاقتصاد بينما استلم والد فادي حقيبة المالية , لكن الأكثر تضحية وفداء كان والد سامر الذي كافئه الوطن مؤخراً فرفعه لرتبة الفريق مستلماً رئاسة أركان الجيش العربي السوري المعاد تشكيله بعد إلغاء رتبة العماد الهحينة .

وكالعادة انتهت برتية الشيش بيش بفوز سامر الذي لم يكن يشق له غبار في هذا المضمار ... فنادوا على النادل محمود لدعمهم بثلاثة أكواب من الزهورات وبدؤوا الحديث عن بطولات آبائهم ككل يوم .. لم يكونوا يملون من هذا الحديث .. كان الثلاثة يعرفون أدق تفاصيل بطولات فرسانهم الثلاثة , بل كانوا أذا نسي أحدهم تفصيلاً فسرعان ما يذكّره الباقون به .

كان الحاج حسين معاون وزير الاقتصاد ووالد عمار قد بدأ حياته بطرطيرة لبيع الغاز على أنغام زعلي طول أنا وياك ورجعت أيام الشتوية , وعندما بدأت الثورة عرف بغريزته أنه يستطيع أن يثرى , فالوقت كارثي والحلال ع الشاطر .

عندها فقط بدأ رحلته الشاقة في خدمة الوطن والشعب .. أخذ يفرغ نصف جرة الغاز المليئة بجرة أخرى فارغة ويبيعهما كجرتين .. ثم أصبحت الجرة تملئ ثلاث جرات ثم أربعة وصولاً إلى سيارة غاز كاملة , فلماذا الإسراف ... وشيئاً فشيئاً تطورت الحالة معه فقرر الامتناع عن تزويد الجرار الفارغة بسانتي متر مكعب واحد من الغاز طالما أن الغاز القادم من مستودعات الدولة غير قابل للاشتعال أصلاً .. اشترى كومبراسور هوا من عند هاشم محمود وبدأ يحقن الجرار بالهواء الصافي المضغوط , لم يتوقف الكومبراسور لحظة عن العمل .. ولم يكتشف هو كلفته الباهظة واسرافه الا بعد وصول أول فاتورة الكهرباء بعد الكومبراسور وقد تجاوزت الثلاثة الآف ليرة أي ما يعادل ثمن جرة واحدة بالتمام والكمال .. عندها أصابته الجمدة وبدأ العرق البارد ينهمر منه كالمطر .. تردد قليلاً ثم توكل على الله وقرر عدم حقن الجرات الفارغة بأي شيء .
كانت نسوة الحي يأتينه بجرات الغاز الفارغة, فيستلمها منهن ويسلمهن جرات أخرى فارغة أكثر .. كان يحصل على ثلاثة الآف ليرة عند كل تبديل للفراغ بالفراغ .. اشتكت الناس في البداية ثم سكتوا على مضض أمام حجته المفحمة القوية : هيك عم استلم من الدولة وهيك عم سلّم .. اللي عجبه يشتري , واللي ما عجبه يدبر غاز من محل تاني ... الله يمحق هالدولة اللي الناس عم تحملني خطاياها .. يسقط النظام ,.. الله محيي الجيش الحر / تكبير .. فتكبر النسوة وراءه ويحملون الجرات الفارغة المستبدلة وقد دفعت كل منهم للحاج حسين ثلاثة الآف ليرة فرقاً ويذهبون لحال سبيلهم .
..
وهكذا توالت الأيام حتى أصبح المورد الوحيد لجرات الغاز الفارغة بالبلد , كان يدعو ربه ليل نهار أن لا تنتهي هذه الثورة المباركة فينتهي معها بيع الفراغ بالجملة والمفرق .. كم صلى ودعا الله ليحفظ بشاراً وعبد الباسط سيدا وغليون من كل سوء ... كان أحياناً لا ينسى الخامنئي وآردوغان من بركات دعائه الصادق .
لكن بشاراً سقط وسقطت معه تجارة بيع الفراغ المربحة .. ولكن لا .. ألم يؤمن جرار الغاز للمواطنين على الدوام حتى في أحلك الظروف ... ألم يغامر بحياته وهو يهتف للجيش الحر أمام النسوة المتجمهرات للإحتجاج على نوعية الفراغ الذي يقدمه لهم عند كل استبدال .. ألم يتبرع مرة لأيتام الشهداء بخمسة وسبعين ليرة عندما أحرجه الشيخ بشار والشيخ أيمن والشيخ زهير وكل مشائخ جبلة واللاذقية وطرطوس عقب صلاة الجمعة , وهو الذي يكتف البرغوت ... لقد دفع صاغراً وهو يقرر حينها أن لا يحضر جمعة بعدها أبداً , وقد برَّ بوعده .

لم ينس الوطن تضحياته وتبرعاته السخية , وكذلك هتافاته المدوية بإسقاط النظام أمام أم وليد وأم سمير وباقي نساء الحارة وها هو يعينه معاوناً لوزير الاقتصاد في أول وزارة بعد سقوط النظام .. لقد لفتت مواهبه في بيع الفراغ الأنظار إلى مقدرته الفذة تلك .. والوطن أحوج ما يكون لهكذا موهبة في مرحلة إعادة الأعمار .. 
ثم .... توالت التكليفات ليصبح وجهاً أبدياً عند كل تشكيلة حكومية
سيرة حياة أبي فادي لا تختلف كثيراً , فقد كان عصامياً كالحاج حسين وربما أكثر , .. بدأ حياته ببيع المازوت على الطنبر , وعندما أتت الثورة المباركة بدأ يخلط المازوت بالماء مما أهله لاستبدال الطنبر بطرطيرة , هى نفسها طرطيرة الحاج حسين التي استغنى عنها عندما تضخمت ثروته , ومن هنا بدأت العلاقة الحميمة بين البطلين .. تلك العلاقة التي انتقلت الى الولدين وربما ستنتقل إلى أبناء الأبناء من بعدهم لعشرة أجيال قادمة .

وكما تطورت الأمور مع الحاج حسين فقد تطورت مع أبي فادي الذي بدأ يبيع الماء الصافي المنكّه برائحة المازوت .. كانت الناس قد أحست بشيء ما مريب في الأمر .. فمازوت أبي فادي لا يشتعل , وعندما احتجوا أجابهم بكل بساطة : ليش من ايمتين المازوت بهالبلد كان يشعل .. طأطئ الناس رؤوسهم موافقين أمام هذا الكلام الحق وبدؤوا واحداً تلو الآخر يقررون الطبخ على الحطب , أما مازوت أبي فادي فقد لعب دوراً مهماً في إطفاء بقايا النار المتقدة بعد استواء الطبخة .

ارتكب البطل خطأ قاتلاً في إحدى المرات , حيث قام ببيع زوجة المخبر مصطفى عزام ( الجد ) نصف بيدون من الماء المازوتي , وعندما أعلمت المخلوقة زوجها بالقصة أخذ دورية أمن مقتحماً الحي والمنزل ... بقى أبو فادي يومين في ضيافة الجوية ... لم تكن تهمته من ذلك النوع الذي يزعج الدولة كثيراً , وسرعان ما أطلقوا سراحه بعد كام دولاب مرتبين .. لكن هذا الأعتقال كان نعمة لأبي فادي , حيث خلق له سجلاً نضالياً حافلاً .

بعد النصر لم ينسه الوطن أيضاً وعينه وزيراً في تكليفين متتالين عوضاً عن اليومين الذين قضاهما في ضيافة الجد .. كان الجد ( مصطفى عزام ) قد قضى نحبه منذ زمن بعيد سحلاً بأقدام أهالي جبلة المقهورين , لكنه أي – أبو فادي – لم ينس ولو لمرة قراءة الفاتحة عقب كل صلاة جمعة عن روحة تقديراً لدوره الفذ في وصوله إلى السلطة .
-------
سيرة حياة العميد إبراهيم ( والد سامر ) تختلف قليلاً , فهو ضابط في إدارة الدفاع الجوي يقتسم مع ستة من زملائه سيارة جيب واظ بالتناوب .. اشتكى من الحال فإستضافه الفرع 291 ( أمن القوات ) لمدة شهرين كان الدبان الأزرق خلالها يجهل مكانه .. وعندما خرج كانت الثورة في بدايتها ..
كان رقيب حقير من القرداحة يتسلى بدولبته في أوقات الفراغ مما جعل لديه هامشاً واسعاً من الحقد على الأسد وقرداحته وحرف القاف كله .. وهكذا قرر الفرار إلى تركيا عند بداية الأحداث .
تواصل بطريقة ما مع بعض الناشطين الذين أمنوا هروبه وزوجته وابنه الوحيد سامر إلى تركيا حيث أقام في سكن الضباط بمخيم يايلاداغ , ومن هناك بدأ مشواره الصعب في خدمة الوطن .
في البداية عن طريق أموال المعونات ثم عن طريق تجارة السلاح .
كانت معونات المحسنين تتدفق كالمطر وكان بدوره يشتري ببعض تلك الأموال السائلة الكثير من المواد الغذائية منتهية الصلاحية والتمور والأرز المسود والحبوب الصالحة كعلف حيواني فقط , ويضعها في مستودعات ضخمة استأجرها في مدينة الإسكندرونه لهذا الغرض .
بدأ الهمس عن سرقة أموال المعونات وجاءت لجنة قضمانية رمضانية غليونية للتفتيش والتحقق من الأمر :
بعد سهرة مطنطنة في الفندق مع عشاء تركي شهي ونوم مريح أسقط وعثاء السفر عن الجميع بدأ التدقيق :
-
أين المال ؟؟
-
أي مال .. هذا مساعدات ومعونات عينية وليست مالاً سائلاً .
-
حسناً .. أين هذه المعونات العينية .
-
في المستودعات
-
أي مستودعات ؟؟
-
مستودعات إغاثة اللاجئين ودعم الجيش الحر .
وبدأت رحلة استغرقت حوالي الساعة بين أنطاكية وإسكندرونه .. شاهدوا من بعيد مستودعات ضخمة .. " أشار عليهم " : هذه هى المستودعات .
فتح الحارس الباب مؤدياً التحية العسكرية ... كانت الهناجر الضخمة على مد البصر ... هزت اللجنة الرأس بإعجاب 
كانت المستودعات مليئة بالخيرات .. عيب وحيد صغير هو أن الرائحة الكريهة تنبعث من المكان كله .
دخلوا المستودع الأول فشاهدوا قواصر التمر تملئ المكان , فتحوا احداها فشاهدوا تمراً فقد شكله منذ زمن بعيد ... " ما هذا ؟؟ " سألت بسمة بإستغراب .
-
تمر خلاص , وأصلي " يرد العميد "
-
تمر شو " يتدخل أحمد رمضان "
-
إذا كان هاد تمر بيكون أحمد رمضان هيفاء وهبي " يتابع غليون " .
يقهقه الجميع .
-
يا جماعة الوضع وضع أزمة والناس عم تموت بالمخيمات من الجوع وأنتوا بدكون تتكبروا ع نعمة ربكم .
وافقته بسمة وسرعان ما أيدها الباقون .
زاروا باقي المستودعات التي لم تكن أحسن حالاً .. الأرز المسوس والمعلبات في العبوات الصدئة أكثر من أن تحصى .. 
كادت الروائح تميتهم فتوقفوا عن التجوال مكتفين بمحاضر جرد المستودعات .. ثم قرروا العودة إلى الفندق .
كان طاقم عمل متكامل ينتظر اللجنة الموقرة في الفندق .. فالمجلس الوطني الكريم لا يتهاون بتاتاً في موضوع الفساد المالي .. وهكذا بدأوا بالتمحيص منذ استلام المحاضر , وخلال ساعتين تبين أن الخيرات الموجودة في مستودعات العميد تزيد قيمتها عن الأموال المشكوك بصرفها بمرة ونصف .

كان التقييم والأسعار يتمان على أساس السعر الرائج لبضاعة حديثة الإنتاج .. لم يرد أحد الانتباه إلى أن البضائع الموجودة في تلك المستودعات منتهية الصلاحية وملمومة مجاناً من المزابل .
سألوا العميد بإعجاب عن سبب الزيادة في مستودعاته :
-
بعض المتبرعين من أهل الخير رفضوا الكشف عن هباتهم , وهم كثر .
-
كم هي بخير هذه الأمة .. إذا خليت خربت " يعقب أحمد رمضان "
وافق الجميع على التبرير وشربوا الأنخاب الشرعية " ويسكي بدون كحول " مراعاة لأحمد رمضان وغادروا بنفس الحفاوة التي جاؤوا بها مشرعنين لسيادة العميد سرقة 70 مليون دولار مرة واحدة ..

لم يكتف المجلس بهذا , بل أرسل كتاب تنويه وشكر لأمانة العميد .. تكررت خدمات العميد للوطن وتسرطنت ثروته أكثر و.... تكررت كتب الشكر والإشادة والتنويه بالفضل .
لم تذهب تلك الكتب أدراج الرياح , فهي التي فتحت الباب أمام العميد على مصراعيه للتسلق فور سقوط النظام .
----------
كان النادل محمود يشعر بكل عقد النقص وهو يحوم على الدوام حول أبناء الأبطال ليسمع نتفاً من سيرة بطولات آبائهم ... حتى أنه حفظ معظمها أحسن من أي واحد منهم .

كان والد محمود أحد النكرات الذين جاؤوا إلى الحياة بصمت وغادروها أيضاً بصمت .. شارك عند بداية الحراك بالمظاهرات المطالبة بالحرية , وألقى القبض عليه فاستضافوه شهرين في فرع الأمن العسكري باللاذقية قبل أن يحيلوه إلى القضاء المختص الذي صادر هويته الشخصية وحكمه بثلاث سنوات بتهمة توهين عزيمة الأمة , .... ثم خرج بعد فترة إثر عفو أسدي مرتبط بالرحلات المكوكية لكوفي عنان , ليعاود الكرّة ويعاودونها هم ويعيدون سجنه .

كان زبوناً دائماً لجميع الأفرع .. جرب كل أنواع البلاوي الزرقاء والصفراء من فروج ودولاب وبساط الريح وغيرها .

لم ينس محمود أبداً كيف أتى إليه في إحدى ليالي الشتاء الباردة ليعانقه بدفء لم يعرفه بعده قط , ويخرج دون أن يراه مرة أخرى ... 

كان ذراعاه القويان ما يزالان يعانقانه بنفس الدفء والحميمية كلما تذكر ذلك الليل البارد الحزين .

لم يكن محمود ليدري قط أن أباه الذي سافر إلى تلبيسة ليشارك بالحراك فيها قد أردته رصاصة غادرة من قناص , فسقط كغيره ممن سقط .. 

لم يكن في جيوبه ما ينبي عنه , وهكذا بقى جثمانه الذي لم يتعرف عليه أحد من أهل البلدة أسير براد الموتى لأكثر من أسبوع ..

أخرجه أهل البلدة مع الجثامين الأخرى التي عانقت أحبابها بنفس الدفء وخرجت بنفس الطريقة الصامتة ولم تعد , ودفنوهم في مقبرة البلدة بقبر جماعي يحمل رقماً نسيه البعض وتناساه البعض الآخر مع الزمن .

وضع محمود أكواب الزهورات على الطاولة بتبجيل وهو ينظر بحسد إلى أبناء الأبطال .

هناك تعليق واحد: