الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2014-08-22

السوريون في لبنان بين حدي؛ المساعدة والحفاظ على البلد بقلم: فادي شامية

لم تقارب الحكومة اللبنانية ملف النازحين السوريين بما يتطلبه من أهمية منذ البداية. الفريق الذي أتى بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي كان يردد قول النظام السوري: "لا نازحون وإنما سوريون يزورون أقاربهم في لبنان". أغمضت الحكومة عينيها لأسباب سياسية، ولم تفتحها إلا وقد بلغ النازحون مليوناً وزيادة. ذهبت حكومة ميقاتي وجاءت حكومة سلام ولا مقاربة ناضجة وشاملة بعد لموضوع النازحين وقد بلغوا مليوناً ونصف المليون.
 
ما بين بدايات النزوح في خريف العام 2011 وإلى اليوم؛ ثلاث سنين مرت وقد غيّر مرورها واقع النازحين والنظرة إليهم. في البدء كان التعاطف كبيراً على المستوى الشعبي، وبما لا يسمح بالمس بوجود أو تزايد السوريين في لبنان. خلال العامين 2012 و2013 كان الناس يفضلون مساعدة النازحين على أبناء البلد. في تلك الفترة نشأت ونمت قطاعات خدمية ضخمة لصالح النازحين. تظاهر كثير من اللبنانيين من أجلهم. نظموا احتفالات نصرة لثورتهم. هددوا كل من يمس بهم.

مع الوقت تغيرت المقاربة. الشارع المسيحي كان سباقاً في التحذير من خطر الوجود السوري. الشيعة كانوا مرتابين منذ البداية. وحدهم السنة حضنوا السوريين وتضامنوا معهم، لكن طول مدة الاحتضان كشفت عن تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية ليست بالقليلة، فتراجع منسوب الاحتضان الشعبي شيئاً فشيئاً.

عندما بدأت التفجيرات الإرهابية في المناطق الشيعية؛ تراجع واقع السوريين درجات إلى الوراء. لم يعد يجرؤ أحد على منحهم احتضانا مطلقاً. تعرض السوريون لتخويف شديد، وحُملوا حملاً إلى "تظاهرة عبيد انتخابية". "حزب الله" لم يكن بعيداً عن المشهد، الذي استفز اللبنانيين، وأفقد النازحين شطراً آخر من الاحتضان السني، تحت عنوان: "إذا بتحبوا بشار روحوا لعندو".

عندما وقعت معارك عرسال؛ انحدر واقع السوريين إلى أن أصبحوا عبئاً غير مرغوب به بنظر الغالبية الساحقة من اللبنانيين. اعتبرت قوى لبنانية أنهم بيئة حاضنة أو يمكن أن تكون حاضنة للإرهاب، بعدما قالوا بعيد انتخابات الرئاسة السورية إنهم مع سوريا-بشار الأسد. وعلى وقع الأحداث الأمنية المتفاقمة؛ صارت يد الأجهزة الأمنية مطلقة اليد في ملاحقة السوريين. قرينة الاشتباه والإدانة باتت مقدمة على قرينة البراءة والسلامة.  فقد السوريون حماسة إيواء الناس لهم في مجمعات أو مخيمات أو حتى بيوت. فقدوا القدرة على مطالبة الدولة بمعاملتهم كلاجئين؛ لهم حقوق وعليهم واجبات. بات أقصى ما يطلبونه أن لا يتعرضوا للملاحقة أو أن يُسمح لهم بالتجول بحرية. باختصار؛ صاروا كتلة بشرية غير مرغوب بها، أو قنبلة موقوتة في لبنان على حد تعبير البعض.

ما بعد عرسال ليس كما قبلها بكل تأكيد. بالنسبة للسوريين بدأت الأعداد بالتراجع، بفعل الملاحقات والمضايقات. أما منسوب المساعدات فاستمر بالتآكل بفعل طول الازمة وضخامة الأعداد، وقد انكفأ كثيرون عن الاحتضان تخفيفاً لوجع الرأس.

ماذا ينتظر النازحين السوريين في القادم من الأيام؟
لا شك أن نسبة كبيرة من النازحين ربما تصل إلى حد النصف، بإمكانها العودة إلى سوريا دون أن تتعرض لملاحقة نظام الأسد أو انتقام خصومه، أو أن يصيبها جحيم المعارك الدائرة. هذه الشريحة التي تعد بمئات الآلاف - على بؤس واقعها- ترى الحال في لبنان أقل سوءاً من سوريا، خصوصاً إذا كانت تحظى بفرص عمل، لذا فهي تفضل البقاء. الشطر الآخر من النازحين، يعاني من مخاطر حقيقية في حال عاد إلى بلاده.

معيار الانتقال إلى سوريا والعودة إلى لبنان قرينة حاسمة في التمييز بين الحالات؛ فالمتنقل بين لبنان وسوريا يجب اعتباره سائحاً لا نازحاً، ومن ينحدر من مناطق آمنة يجب اعتباره زائراً لا نازحاً، ومن يمتلك أو يعمل بما يزيد عن سد الرمق يجب اعتباره عاملاً لا نازحاً. هؤلاء جميعاً يمكن الطلب منهم مغادرة لبنان شرط أن يكون واضحاً أنهم لن يتعرضوا لمخاطر في بلادهم، أما البقية الباقية فيجب معاملتها بإنسانية، ونقلهم إلى مخيمات حدودية، بإشراف الأمم المتحدة، لكن المعضلة هي في صعوبة التمييز بين من يجب اعتباره نازحاً ومن لا يجب اعتباره كذلك، والأصعب من ذلك أن تقوم جهة بتحقيقات اجتماعية للتمييز بين الحالات.

ولأن هذا الأمر يبقى بعيد المنال عملياً؛ ولأن الواقع في سوريا صار رهينة مراوحة لا تغيرات جذرية فيها؛ ثمة حلول مرحلية يمكن اعتمادها من قبيل؛ إقفال الحدود، إلا عند حدوث كوارث إنسانية، ومساعدة السوريين الراغبين بالخروج من البلد على يحصلوا على ذلك، ولو تطلب الأمر؛ تسوية أوضاعهم وإعفائهم من رسوم الإقامة عن الفترة السابقة، شرط أن يمنعوا من العودة، إضافة إلى قيام شراكة فاعلة مع الأمم المتحدة بحيث يستفيد السوريين والمجتمع الحاضن من التقديمات، وقيام شراكة مماثلة مع جمعيات المجتمع المدني التي تحملت على مدى ثلاث سنوات عبء المساعدة، بحيث يمكن تشكيل هيئة ناظمة تتمثل فيها وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الأهلية، وممثلين عن قطاعات خدمية كالصحة والتربية، إضافة إلى أمنيين.


إن تنظيم واقع السوريين في لبنان مطلوب، وقد بات ضرورة ملحة، لا سيما مع تزايد الجرائم الأمنية والاجتماعية والأخلاقية (شبكة جميلة مشهداني التي ألقي القبض عليها مؤخراً، على سبيل المثال لا الحصر)، فضلاً عن المخاطر الأمنية الهائلة، وهذا التنظيم يجب أن يتحرك بين حدين؛ حد الحفاظ على الأمن، وحد احترام آدمية الإنسان، إذ ليس كل سوري إرهابياً ولا مشتبهاً فيه، ولا يجوز انتهاك حقوقه من قبل الأجهزة الأمنية ولا البلديات، ولا أي من التنظيمات أو الجماعات المسلحة أو غير المسلحة في لبنان، لكن واجب احتضان السوريين ينبغي أن لا يتعارض مع واجب الحفاظ على البلد ومقدراته أيضاً، الأمر الذي يعني الابتعاد عن المزايدات والشعبوية والبحث في حلول جدية.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق