الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-02-16

رواية " مديح الكراهية " - عرض: د. أحمد محمد كنعان


في سياق الوجع الذي يعيشه وطننا الحبيب سورية هذه الأيام وجدت نفسي أعود مرة أخرى لأطالع هذه الرواية الجريئة التي كنت قد قرأتها قبل سنوات عديدة، وهي تتحدث عن حقبة مؤلمة من تاريخ الوطن يبدو أنها كانت المقدمة الدرامية للمحنة الرهيبة التي نعيشها هذه الأيام، وهذه الرواية رواية كبيرة بكل المقاييس، فهي كبيرة في جرأتها، وكبيرة في أسلوبها الأدبي الرصين، وهذا ما رشحها للوصول إلى المرحلة الأخيرة من "جائزة البوكر العربية" التي لا تقل أهمية عن جائزة نوبل في الأدب، وفي تقديري أن هذه الرواية لولا أنها تتناول أحداثاً حساسة جداً مازال معظم أبطالها ومجرميها على قيد الحياة حتى اليوم لفازت بالجائزة بكل جدارة !


مديح الكراهية .. للأديب السوري "خالد خليفة" رواية تعيدنا بقسوة ولكن بعمق وصدق إلى حقبة شديدة السواد من تاريخ "البعث" بزعامة الهالك حافظ الأسد، وهي رواية تنبش تاريخاً مظلماً عن حقبة استثنائية وضعت سورية في مهب البارود الخانق، والرصاص الطائش، والموت المجاني، خلال ثمانينات القرن المنصرم، إنها رواية تعبق برائحة الكراهية التي يبدو واضحاً أن تلك الزعامات الهالكة قد رضعتها أباً عن جد، فأفقدتهم صوابهم ولم تبق فيهم ذرة من ضمير، وجعلت منهم وحوشاً لا ترتوي بغير الدماء .. إنها  رواية تحكي حكاية الحقد الباطني الذي كاد يقضي على الأخضر واليابس ويعيد الوطن الحبيب إلى عصور ما قبل التاريخ !

تنطلق الرواية من خلال الحياة السريّة لمجموعة من النساء، وتتنقل الأحداث بين عدة مدن سورية، مروراً بالرياض وعدن ولندن وأفغانستان وأمكنة أخرى كانت ميداناً لأحداث كبرى في أواخر القرن الماضي، وهي رواية تنسج تفاصيل مأساوية سكت الناس عنها طويلاً فدفعوا ضريبة سكوتهم سيلاً من الدماء، وأنات مكتومة سوف تترك رائحة كراهيتَها لأجيال عديدة على ما يبدو .

واليوم، في سياق هذا التدمير الممنهج الذي يقوده "بشار الأسد" على خطى والده مجرم تلك المرحلة الحالكة، تعود لهذه الرواية قيمتها، ويصبح الحديث عنها مبرراً ونحن نرى الدمار اليومي من قبل عصابة "بشار" يسير بالوطن إلى نفق مظلم لا يدري إلا الله إلام ينتهي ؟!

تبدأ أحداث الحكاية في حلب الشهباء، تلك المدينة المشوبة بظلال قاتمة من خلف غطاء الوجه الأسود الذي تسدله الراوية على وجهها، وتتحكم بالسرد على طريقتها الأنثوية حتى لتكاد تنسينا أن الكاتب رجل، ولتتحفنا بنص مليء بالتفاصيل الموجعة، والرغبات المؤجلة، والشهوات المحمومة، والانكسارات اليائسة.

وبقدر ما هي أحداث الرواية محقونة بالدم والكراهية والشخصيات المرهونة بقدرها المجهول، بقدر ما في النص من غموض وعمق وشفافية تشحن السرد بشحنة فريدة من الصدق والفتون .

تاريخ تلك الحقبة المؤلمة الذي يسرده الكاتب بلسان أنثاه، هو تاريخ المجازر الجماعية الرهيبة التي ارتكبها نظام فاجر أعماه الحقد والطائفية، وأسكرته السلطة، مجازر امتدت في طول الوطن وعرضه، من سجن تدمر، إلى حماة، فجسر الشغور، وبقاع أخرى كاد الفاجر أن يمحوها عن الخارطة !

إنه تاريخ الجثث المزروعة في الدروب والساحات، تاريخ المدن التي اجتاحتها الدبابات وسرايا الدفاع .. أو سرايا الموت كما شاع وصفها .. إنه تاريخ وطن يئن تحت سياط الاستبداد، وطن حكم عليه الحاقدون بالخراب والطائفية والخوف، تحت ستار زائف يدعي المقاومة والممانعة في العلن، ويصافح العدو ويقبل قدميه في السر!

وقد أجاد الكاتب في رسم ملامح شخصياته المتقلبة التي  تبرز من بينها على نحو خاص شخصية "عبد الله اليمني" الذي كان شيوعياً ماركسياً متشدداً في موسكو، لكنه مع موجة الحقد على الإسلام انتهى مقاتلاً حتى الموت مع المجاهدين العرب في أفغانستان، وراح يعمل بكل طاقته ليطرد الشيطان الشيوعي الذي كان صديقه قبل سنوات !

وشخصية أخرى لا تقل إبهاراً وتقلباً عن الشحصية الأولى، إنها خالة الراوية "صفاء" التي تتحول من امرأة عابثة، تتلوى في أحضان الحبيب مثل قطعة من الحرير الناعم، إلى امرأة متبتلة في المعبد، مكللة بالشادور الأفغاني، تقبع في بيت طيني في كابول تنتظر زوجها المجاهد عبد الله الذي يمنيها بإقامة دولة الخلافة في أفغانستان !

إن هذا التحول الكبير الذي يطبع سائر شخصيات الرواية يعبر عن حالة الجنون التي مست الوطن تحت وطأة الاستبداد والذعر الأمني، وسط أحداث تبدو أكثر جنوناً وعبثية من الموت ذاته، حتى إن الراوية نفسها التي تحولت من امرأة عابثة إلى متدينة متعصبة توزع المناشير التي تدين الطائفة الأخرى وتتوعدها بالفناء والعقاب، تعود مرة أخرى فترتد من جديد فتاة سافرة، تشرب النبيذ، وتسوق مخموراً إنكليزياً آخر الليل من الشارع إلى شقتها في لندن حيث هاجرت إلى غير رجعة .. إنه الاستبداد في أبشع صوره الذي أفسد كل شيء فحوَّله إلى ما يشبه مشفى هائل للمجانين !

وتتوقف الرواية طويلاً عند مدرسة البنات التي تبدو نواة صغيرة للخراب الذي أصاب الوطن، والتي منها يبدأ سفر الكراهية، المدرسة التي تنقسم الشخصيات فيها ما بين فتيات متدينات محتشمات وفتيات متهتكات عابثات، وبين فتيات ضد النظام وفتيات مع النظام حتى العظم، مدرسة تمثل المجتمع بكل تناقضاته وتقلباته، ويحكمها ما يحكم خارجها، اللونان المتشاكسان المتعاكسان، وفي الصباح عند تحية العلم، يتجلى هذا الواقع النكد حين تردد البنات نشيد البعث، ثم يمررن أمام مدربة الفتوة ممثلة السلطة، والطالبة "ندى" البعثية ذات الرائحة التي تشبه رائحة جيفة، وهما تستعرضان البنات مثل قطيع من البغال ـ على حد تعبير إحداهما ـ لتتأكدا من برادعهن وأطواق الخرز في أعناقهن !

وتتأرجح شخصية الأنثى الساردة في الرواية ما بين راوية للحكاية من منظارها الخاص، وبين راوية عالمة بخبايا الأمور، فهي تتدخل في أدق التبدلات النفسية لشخوص روايتها، تلك الشخوص التي تشكل تاريخ العائلة المحكومة بالتشرد، وتلك الراوية العارفة نجدها في كل مكان أيضاً، هنا يقع الالتباس الذي يفقد أجزاء قليلة من النص بعض قوته وإقناعه، دون أن ينتقص من قيمة النص عامة، إذ نجد الراوية توالي سرد تفاصيل النساء بطريقة هي غاية في الغواية والعمق وترسم شخصياتهن المتباينة بريشة حساسة المشاعر، وتشكل لكل واحدة منهن سفرها الخاص في ذلك البيت الذي ستكبر فيه على شيء واحد ووحيد هو كبت الأنثى داخلها، والإيمان بضرورة دفن العار الأول الذي خلق معها : أنوثتها .

وحال النساء هذا يشكل جزء لا يتجزأ من "الرائحة" التي عنون الكاتب بها روايته، فالخالة الكبرى "مريم" تظل تشكو تعاستها مادامت مساماتها فارغة من روائح الرجال، ونراها تستعيد الرجل الذي عشقته "ابن السمرقندي" من خلال استعارة رائحته في الخيال لأن رائحة الرجال الغرباء حرام كما علموها، وهي لا تمل من ترداد تيمتها المفضلة : إن الرجل مستعار دوماً، بالنسيج الذي يداعب الجسد كرجل شبق، بالخيالات، بأحلام اليقظة، وحتى بالذهاب بعيداً عنه في تفاصيل تنسينا إياه !

أما الرجل الوحيد الذي كان موجوداً دائماً في ذلك البيت إلى جانب أولئك النسوة فهو الخادم "رضوان" الذي تعمد الكاتب أن يجعله أعمى في دلالة عميقة للحضور الذكوري الواهن بين أولئك النسوة المحرومات اللواتي كان على كل واحدة منهن أن تبحث عن خلاصها بنفسها، أما الراوية التي يكبلها وجع الأنثى فهي مجبرة على وأدها، وكان خلاصها بالكراهية كما يقول لسان حالها "نحتاج إلى الكراهية كي نجعل لحياتنا معنى" !

وعلى امتداد الرواية التي بلغت 392 صفحة تجرب الراوية أن تؤجج نار الكراهية، كراهيتها للسلطة ولسرايا الموت التي تمتد إلى أبناء الطائفة الأخرى، الكراهية التي تجعلها تتحول إلى مخلوق لا يرى إلا أشباهه يستحقون الجنة، أما من عداهم فإلى جهنم وبئس المصير!

ونصل إلى الفصل الثالث من الرواية الذي عنونه الكاتب برائحة البهار، وهو يشكل الفيصل في حياة الراوية، وهو يحكي عن السجن حيث اعتقلت الأخوانيات كغيرهن وغيرهم لسنوات طويلة، غير أن تفاصيل المعتقل الغائمة نوعاً ما في النص الروائي والمؤثرة أحياناً بوجود طفل ترعرع في المعتقل لا تنتج تطرفاً أكبر في قلب الراوية، بل على العكس تجعل الحياة تبدو أمامها هزيلة وقصيرة، فالعيش المشترك هناك في غياهب المعتقل بدد الكراهية والاختلاف الطائفي، الأمر الذي جعل الآخر يتبدى على حقيقته : إنسان من لحم ودم مثلنا، والسجن حول كل الكتلة القاسية السابقة في قلبها إلى حنين ودفء، لتصبح "سلافة" المعتقلة الشيوعية أحد أعز صديقات الراوية الإسلامية !

ولعل أكثر ما يطبع الرواية بطابعه المأساوي تبدل مصائر الشخصيات في تلون موحي، وتبدل أشواقهم أيضاً بتلون أعمق، ليبدو المجتمع السوري على حقيقته، فسيفساء دقيقة تعج بالألوان والأشكال، ففي العائلة نفسها ثمة قتلة وثمة متسامحون، هناك من يعتقد بأن الفناء هو الثمن الوحيد الذي يجب أن يدفعه ليس فقط المتورطون مع النظام بل أيضاً الذين يمتون له بأية صلة حتى لو كانت الطائفة التي ولدوا فيها، وثمة أيضاً من يعتقد العكس، وعلى سبيل المثال نجد لأستاذ الشعر الإنكليزي حفيدين قد شبا ليصبحا على طرفي نقيض، وهكذا هو حال العائلة المركزية في الرواية، عائلة الراوية، فهي تضم ثلاثة رجال أحدهم صوفي تحول إلى درويش غائب عن الكون في عالم الأرواح، وآخر مسلم قائد لجماعته التي تتحول من جماعة عسكرية مسؤولة عن الاغتيالات والتفجيرات في البلد إلى جماعة سياسية في لندن، وثالث متهتك ماجن لا هم له إلا المال والنساء .

كما أن في النظام نفسه هناك من تشرّب القتل كأنه ولد من بطن أمه سفاحاً، وهناك من هو ضده، وهذه المزاوجة بين الشخصيات تنسحب فيما بعد إلى علاقات عشق، تنتهي في حالة "غادة" الصبية الشهية صديقة الراوية إلى انتحارها بعد عشقها لضابط في المخابرات يكبرها بثلاثين عاماً لأنه هجرها وتركها تلعق جراحها مثل كلبة جرباء على حد تعبيرها، بينما تنتهي "مروة"، الخالة الثالثة للراوية بشكل رومانسي يستمر فيه زواجها من "نذير" بعد أن يترك الجيش غير آسف ويعود إلى ضيعته يمارس الفلاحة مثل أي فلاح بسيط .

مديح الكراهية  .. رواية تؤرخ بامتياز لحقبة فريدة ـ ولكن مؤلمة ـ من تاريخ سورية لم يكتب فيها إلا القليل حتى الآن، لكنها تؤرخ لتلك الحقبة بزخم روائي عال، ولغة مبدعة أجادت في رسم شخصيات فاعلة وأخرى مهمشة، ليس من خارج السلطة فحسب، بل ضدها كذلك، وأحياناً في مواجهتها، شخصيات تجازف بمصائرها كما جازف الاستبداد بالوطن طوال العقود المنصرمة .. ومايزال .. شخصيات ملأ بعضها العشق والحب والسلام، وشخصيات أخرى على النقيض منها متعطشة للدم والثأر والانتقام .

مديح الكراهية باختصار رواية تعود بالأدب إلى وظيفته الأولى، وتفتتح تاريخاً تعيد تدوينه، إنها رواية موجعة، تجعلك تتساءل وأنت تطوي الصفحة الأخيرة : كيف احتمل الوطن كل هذا الوجع !؟

د.أحمد محمد كنعان
kanaansyria@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق