الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-06-20

خرائط برمجة الإنسان - بقلم: خالص جلبي

في أيامنا الحالية نحن مطوقون بقدر مدمر من صعود الغرائز وانطفاء العقل.
نسبح في بحار من الكراهيات. ونغوص في برك الدم ضاحكين.
أذكر من أيام مذبحة برتيلميوس في باريس كيف اغلق الكاثوليك أبواب باريس السبعة، وحولوها إلى جهنم بسبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم؟
حدث هذا بالشبيحة من الحرس السويسري الذين التذوا إيما لذة  بلحم الهوجنوت فعلمّوا البيوت، وعبروا الطرق يقتلون القطط والكلاب والناس النائمين، ويبقرون بطون الحوامل بالحراب والخناجر، ويلقون الجثث في نهر السين وهم يضحكون.
حاليا لايحب الفرنسيون هذه الذكريات ويفضلون أن يلقبوا باريس باسمها مدنية النور والفلسفة والاقتصاد.

كذلك الحال حين نتذكر الديناصورات وكيف نزل شهاب من السماء قبل 65 مليون سنة فقضى عليها غير مأسوف عليها.
في مدينة أوتوا الكندية حيث تطل القلعة على بحيرة هائلة بينها وأمريكا تصطف مجموعة كبيرة من المدافع العتيقة الصدئة للفرجة؟ هي تذكار لتاريخ مظلم جنوني. والآن لايفكر الأمريكان والكنديون بالاحتراب قط إلا إذا أصيبوا بالجنون كما جاء في فيلم هوليود المزعج قبل أشهر عن فيروس حول البشر إلى زومي قتلة يَقتلون ويُقتلون.

نفس المدافع المعفنةرأيتها في مدينة كيبك الساحلية، ولفت نظري مدفع عتيق صدأ مهترء، دققت النظر وحشرت رأسي بفضول في فوهته، قرأت على درعه أنه روسي من القرم غنمته القوات البريطانية قبل قرنين.
تاريخ الإنسان كما يقول الوردي مهزلة كبيرة أليس كذلك؟

ارسطو يفرق بين التراجيديا والكوميديا ويقول الحياة كوميديا لمن يتأمل أما من يغرق في المشاعر فهي تراجيديا صادمة فهل نضحك أم نبكي؟
في القرآن هذا المزيج السحري بآيات وأنه أضحك وأبكي ..

لفت نظري في في آخر عدد من مجلة در شبيجل الألمانية لعام 2009م ـ وهي مجلة أتلقاها بانتظام بالبريد الجوي المسجل منذ ربع قرن من الزمان ـ  ودعت العام بعنوان صارخ في العدد 52 " النزاع الأبدي بين الإسلام والمسيحية"
(Islam und Christentum: Der ewige Zwist) وأضافت من هو الرب الأقوى للدينين؟

وهذه البرمجة الذهنية من العداء ليست عقلانية بقدر محتواها السيكولوجي، فكل منا تتشكل عنده الخرائط الثقافية، حسب الوسط الذي يولد فيه ويعيش..
وصدق المؤرخ توينبي حين افتتح كتابه (مختصر دراسة التاريخ) بهذه الجملة" المؤرخون أقرب لشرح آراء الجماعات التي يعيشون في وسطها ويكدحون، منهم إلى تصحيح تلك الآراء"

ونفس توينبي كان يظن وهو طفل، أن العالم يدور حول جزيرة الضباب (بريطانيا) وأنها عظمى منذ أن خلقها الله، ولم يخطر في باله أنه قبل فترة قصيرة، كان الناس فيها على أتفه الأسباب يشنقون ويحرقون، وأن مؤسس الديانة الجديدة في بريطانيا بالانشقاق عن روما، كان خلفها (هنري الثامن) الذي تزوج ستا ونكح 16 وخادن 160 وطير رؤوس أربعة أو خمسة من نسائه بسبب ودون سبب؟

وحين نفتح كتاب (كرونولوجيا المرأة) نعرف أن بانكهورست ومن معها قاموا عام 1912 م في مظاهرة لتصويت المرأة، وأنهن ضربن لست ساعات متواصلة من الشرطة والرعاع، وبعضهن قتل، فهذا هو التاريخ وهذا هو تاريخ البرمجة الثقافية؛ جسر من معاناة على نهر من الدموع..

ونحن نظن أننا مسلمين بالعقل والمنطق والحجة البالغة، وهي خرافة كبيرة، فنحن نعتنق الديانة من الوسط الذي ننشأ فيه، بل نصبح شيعة فنجلد أنفسنا بالسلاسل في عاشوراء، أو سنة فنقبل الحجر الأسود، أو قرامطة فنخطف الحجر الأسود إلى البحرين ليبقى هناك ثلاثين عاماً، أو نصبح شبيحة مملوئين الكراهية والخناجر والمال الحرام؟
مسكين الإنسان أليس كذلك؟

فهذه هي قصة البرمجة الثقافية عرفها من عرفها وجهلها من جهلها..
يتشكل الإنسان بشكل جوهري في مرحلة ما قبل المدرسة؛ فيتبرمج في خرائط ذهنية، لا فكاك منها ولا خلاص!!
وهذه الخرائط هي سجن من أربعة أسوار من (البيولوجيا) و(التاريخ) و(الثقافة) و(الجغرافيا)؛ فيشكل المجتمعُ الفرد بأقوى من صهر الحديد في مصانع الصلب. فيخرج منا طائرة 380  Aأو حاوية قمامات.

وهذا يعني أن كثيراً مما نتصرف يحصل من خلال عالم (اللاوعي) الذي كشفه علم النفس التحليلي، فالإنسان مكون من ثلاث طبقات منضدة فوق بعضها البعض.
في الأعلى (ما فوق الوعي Super conscious) وهي جداً رقيقة، وهي موضع التماع بريق الأفكار الإبداعية الفجائية.

وطبقة (الوعي) وهي تمثل 5% من كياننا النفسي وهي تشبه ضوء المنارة على ساحل المحيط ،عندها القدرة في تركيز الضوء في محرق محدد لوقت محدد؛ فإذا انقضت تحولت المنطقة إلى ظلام دامس..

وتحتها طبقة (اللاوعي Subconscious) التي تمثل 95 % من سلوكنا!، الذي يمثل المحيط الواسع الذي يضم شخصيتنا.

وفيه أي ما تحت الوعي مستودعات (الخبرات) و(العواطف) و(الأخلاق) و(العقد النفسية)، ومن ظلماته تتشكل الأحلام فنعيش حياتنا الثانية.
نحن نقود السيارة، ونشرب فنجان القهوة، ونضرب على الكي بورد، ونزرزر قميصنا  برتابة آلية.
الروتين سيء ورائع بنفس الوقت، لأنه بقدر ما يقتل الإبداع بقدر ما يريحنا.
لو كان إفراز الهورمونات، وخفقان القلب، وإفراز الكلية، وزفير الرئة،  مرتبط بالفكر لسقط العقل في شباك الطبيعة العمياء.
بل وحتى الكلام فيسيطر عليه (اللاوعي) مع أنه اكبر تجليات الوعي.
نحن حينما نتكلم لا نفكر كيف تمر الكلمات من الدماغ إلى جهاز  التصويت، ولو فكرنا في كيف نفكر، لانقطع كل تفكير.

ولو تأملنا جسدنا لرأينا فيه تداخل ثلاث مستويات بنفس اللحظة من (الإرادة) و(نصف الإرادة) و(اللا إرادة)؛ فالكلية تنظف على نحو أعمى بدون تفكير، ويمكن أن نحبس أنفاسنا لدقيقة، ولكننا نتميز عن النبات والحيوان، فالنبات ينمو ولكن لا يعرف لماذا ينمو؟ أو كيف ينمو؟ بل هو في قبضة قوانين آلية عمياء بالنسبة له.

وبالمقابل تعرف القطة كيف تبحث عن طعامها، كما يقفز شوقي القط عندي على ركبتي العامل البنغالي حين يحضر له الطعام،  ولكنه لا يملك تعليل ملوحة ماء البحر.
كما لا يقدم الكلب على الانتحار،  ولم نر يوما أن شجرة أضربت عن الطعام وأعلنت الصيام، ولكن الإنسان يفعل ذلك فيصوم وينتحر معلنا انتصار الإرادة على الغريزة، وتفوق الوعي على الآلية.

وهكذا فهناك كيانان رئيسيان يتحكمان بنا، ولكنهما متصلان على شكل طريق أحادي الاتجاه في الغالب؛ فـ (الوعي) هو الذي يشحن أولاً؛ فإذا تشبع نقل الفكر إلى اللاوعي.

وهذا التيار من الوعي ـ إلى اللاوعي مستمر على مدار الساعة، كما يشحن الدينمو بطارية السيارة.
ويتدفق تيار المعلومات باتجاه واحد كما في السيالة الكهربية، عندما تمر في محول كهربي من قوة  110 إلى 220 فولت.
وما يصل أرض (اللاوعي) ينحبس فيه ويتحول إلى قوة تشغيل خفية.
والله خلقكم وما تعملون. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق