الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-01-12

أحزابنا بين المفكر والسياسي - بقلم: د.أحمد محمد كنعان


العملية الحزبية تتطلب في العادة تضافر جهود اثنين ، هما "المفكِّر" الذي ينظِّر للحزب ويضع مبادئه النظرية ومنطلقاته الفكرية ، والسياسي الذي يقود الحزب فعلياً ، وهناك مفارقة تاريخية معروفة بين الاثنين ، كثيراً ما أدت إلى الصدام بينهما في مرحلة ما من مسيرة الحزب ، وكثيراً ما كانت هذه المفارقة وراء الانشقاقات والنزاعات الكبيرة التي لا يكاد حزب في العالم يسلم منها !

ولعل أقرب الأمثلة على ما نقول "حزب البعث" الذي صل إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي ، في كل من العراق وسوريا ، فإن هذا الحزب سيء السمعة حين تمكن من السلطة بدأ السياسيون فيه على الفور عملية "تطهير" للحزب ، ليس تطهيره من أعدائه ، بل تطهيره من المفكرين الذين نظَّروا للحزب وأسسوه ووضعوا أهدافه وأعدوه للوصول إلى سدة الحكم، وقد تراوحت عملية التطهير هذه ما بين التهميش داخل أروقة الحزب ، إلى الإبعاد نهائياً عن صفوف الحزب ، إلى السجن المفتوح حتى الموت ، إلى التصفية الجسدية بلا رحمة ، كل ذلك لكي يصفو الجو للسياسيين وحدهم يرتعون في أروقة الحزب والسياسة والوطن على هواهم !

وقد انتهت هذه المكائد من السياسيين ضد "الرفاق" إلى تدمير حزب البعث في القطرين الشقيقين ، بل امتد التدمير إلى القطرين اللذين وصلا ببركات "البعث" إلى درجة من التخلف فاقت أسوأ دول العالم ، وانتهت مسيرة "البعث" مدعي العروبة إلى ارتماء البلدين في أحضان إيران التي حققت حلم الصفويين القديم باحتلال عاصمتي الخلافتين العباسية والأموية !

إن هذا المثال المخزي من سيرة "البعث" وأشباهه كثير في تاريخ الأحزاب العربية بخاصة يبين لنا بوضوح حجم الكارثة التي يمكن أن تنجم عن استفراد السياسيين بالأحزاب ، وتهميش المفكرين أصحاب الرؤى المستقبلية الذين مهما قيل فيهم فإنهم يظلون يتوقون إلى تحقيق "المدينة الفاضلة" على النقيض من السياسيين الذين يظل همهم الأول البحث عن السلطة غير عابئين بمصير الأمة والوطن !

ذلك أن المفكر يتطلع أولاً وقبل أي شيء آخر إلى تحقيق أفكاره على أرض الواقع ، وهو بهذه النقطة يتصادم على طول الخط مع السياسي الذي يتطلع أولاً وقبل أي شيء آخر إلى تحقيق مآربه ومصالحه الشخصية ، وهنا يكمن مقتل العمل الحزبي !

أضف إلى هذا أن المفكر يميل بطبعه إلى المثاليات في نظرته إلى الأمور وفي نظرياته التي يرنو إلى تطبيقها من خلال الحزب ، وهو يتوق غالباً إلى تحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه للنهوض بالوطن ، أما السياسي فيدعي أن المطلوب منه برامج عملية ينفذها على أرض الواقع ، ولا مجال عنده للتحليق في فضاء المثاليات والأخلاق والضمير ، ومن هنا ينشأ النزاع الحاد بين الطرفين ، فيصاب المفكر باليأس من سياسات الحزب التي يرى أنها انحرفت عن "المبادئ" التي يؤمن بها ، أما السياسي فهو شخص يؤمن بالمصالح ، ويستخف بالمبادئ ، ويتذرع بالواقعية ، ولهذا نراه ينظر إلى المفكر على أنه رجل خيالي ، لا يعيش الواقع ، وأنه ينظِّر في الهواء !

المفكر يقدم عصارة فكره على أمل أن ينتشل الوطن مما يعانيه من مشكلات ، أما السياسي فهو يقدم عصارة مكره ودهائه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على الأرض ، ويضمن فوزه في الانتخابات المقبلة !

وبالرجوع إلى الأدبيات السياسية حول طبيعة العلاقات بين المفكر والسياسي يعود بنا التاريخ إلى عشرات القرون ، فيمر معنا أسماء كبار المفكرين والسياسيين من أمثال أفلاطون وأرسطو وميكافيللي وروسو وفولتير وابن خلدون وابن تيمية والماوردي وغيرهم كثير ممن كان لهم آراء متباينة حول العلاقة بين المفكر والسياسي ، فالمثاليون من هؤلاء يميلون إلى تأكيد مكانة الأخلاق وتحكيم الضمير في العمل السياسي ، ويستمد أنصار هذه النظرة رؤاهم للممارسات السياسية من الأديان السماوية ومن التعاليم والفلسفات الإنسانية التي تدعو إلى وضع ضوابط ومعايير أخلاقية للسلوك الإنساني ، وتركز على مخاطبة عقل الإنسان وقلبه ، واستثارة الجوانب الخيرة فى الطبيعة البشرية ، بهدف الارتقاء بالسلوك الإنساني ، وجعله يقوم على التعاون بدلاً من الصراع ، وعلى السلام بدلاً من الحرب ، وعلى العدالة بدلاً من الظلم ، وعلى الحب والإخاء والتعاون بدلاً من الكراهية والحقد والأنانية !

بينما يرى آخرون من هؤلاء ضرورة الأخذ بسياسة "الأمر الواقع" بدل التحليق في عالم المثاليات ، ولا بأس عندهم من الأخذ بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" الذي صاغه السياسي الوصولي "مكيافيللي"  وروج له من بعده كل الساسة مدعي "الواقعية" الذين يرون أن الواقع يفرض عليهم سياسات تبدو للجاهلين بهذا الواقع مخالفة للأخلاق والضمير ، مبررين ممارستهم هذه باستحالة تطبيق القوانين الأخلاقية والمثل العليا في ميادين العمل السياسي ، وهم يدعون إلى جانب ذلك أنهم يركزون على مصالح الشعب الحقيقية ، ومن ثم فإن الأخلاق ـ بعرف هؤلاء ـ عملة فاسدة ، و "الأخلاق لا مكان لها في السياسة" على حد تعبير أحدهم ، و "المدينة الفاضلة" التي يتوق إليها المفكرون الأخلاقيون سوف تظل .. هناك .. معلقة في الهواء .. ولن تجد لها مكاناً على الأرض !

ولذلك نجد السياسيين يجردون السياسة من أية مضامين أخلاقية للمحافظة على امتيازاتهم ومناصبهم ومكاسبهم التي يمكن لتلك الاعتبارات أن تهددها بالزوال .. وهكذا نجد السياسي يتخفى وراء قناع المصلحة العامة ليخفي دوافعه الفعلية ، بينما يضحي المفكر بكل شيء في سبيل مبادئه !

إن هذا التباين ما بين رؤى المفكر ومبررات السياسي هي التي تجعل الفجوة تزداد اتساعاً بين الطرفين مع مرور الوقت ، وكثيراً ما رأينا الطرفين يتفقان في البداية على "خريطة طريق" محددة المعالم لمسيرة الحزب ، حتى إذا بدأت مسيرة الحزب ، ولاحت في الأفق بعض المكاسب ، بدأت الشقة تزداد اتساعاً بين الطرفين ، إلى أن تنتهي بالطلاق البائن ، وينفرد السياسي بقيادة الحزب والدولة والمجتمع ، كما فعل حزب البعث غير المأسوف على تاريخه الأسود ، بينما يقبع المفكر في بيته مكسور الخاطر .. هذا .. إذا لم يكن قد تمت تصفيته على أيدي "رفاق الأمس" السياسيين الذين بدؤوا معه تلك المسيرة وهم يخفون خنجر الغدر خلف ظهورهم !
د.أحمد محمد كنعان
kanaansyria@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق