الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-01-16

لا حل إلا بالحوار - بقلم: د. سماح هدايا

     الفوضى وغياب الرؤية يستفحلان في أطياف المعارضة والمراقبين، وأصبح السوري محاصرا بردات أفعال عاجزة عن تقييم الوضع بدقة وتقويمه. وانتشر في المشهد مسلسل أخطاء الثورة وخطاياها، وبقصص السلفيين المخيفة وفظائع مقولات الإرهابينن، وبالحكاية التقليدية لسرقة الثورة من طرف الإسلاميين المتطرفين الذين، بحسب ما يتم نشره، حولوا سوريا إلى أفغانستان وصومال، وذلك من دون أن يحصل التشخيص الحقيقي الموضوعي المتزن للواقع ومسببات العنف والتطرف فيه
    والعجيب أن المثير لهذا اللغو كله هم أهل السياسة  المفترض بهم الخبرة السياسية وعمق الفكر ومنهجية التفكير، لكنْ، مازالت  النخبة السياسية السّوريّة في المعارضة تتعامل مع الواقع الجديد بمنطق نخبويتها وفئويتها وأنديتها القديمة. متجاهلة أن السبب  الأساسي والجوهري والواقعي للعلل المتزايدة في واقعنا، الآن، هو النظام السياسي للطغيان والطاغية، بممارساته الاستبداديّة والإرهابيّة والإفساديّة، وبما يستعمله من أساليب دموية عنيفة، وبما يشيعه  من كذب وتضليل وفوضى وفرقة وتهشيم وتمزيق، وبما يصدّره من عصابات مجرمة لها ألف لون ولون. ولعل من إنجازاتها  التلون ببعض كتائب الثورة. وبدل أن يقوم المعارضون بلمّ شمل المجتمع النازف المنقسم على نفسه بفعل دهسه بعجلة التصفية العنصريّة، والعمل على إغاثته واحتواء الثورة ودعمها لإسقاط النظام وتكثيف الجهود لذلك، والانخراط الحقيقي في المعركة بكل الأشكال الممكنة، بعيدا عن الفرجة السلبيّة، أصبحوا يرددون مقولات النظام نفسها التي تنتشر في إعلامه وخطابه،  وتكثفت جهودهم في مهاجمة الثورة تحت بنود السلفية والأسلمة والتطرّف، وبدأت تسيطر حالة المخاوق وعمليّة ندب الحظ لضياع الثورة وأسلمتها على يد الجهاديين المتطرفين. وراجت لدى بعضهم ممارسة التبعية والولاء لجهات مختلفة للتسلق على الثورة والتحكم ببعض محركاتها.
 
    ثورتنا، حتماَ،  ليست مثالية وملائكيّة. هي واقعية وليدة الظروف والتاريخ.  وليس الثوار كاملين بلا أخطاء. هم بشر ومقموعون مضطهدون مهددون في كل لحظة بالإبادة. ولايعقل أن نصبح فجأة، بعد عقود الاستبداد، أحرارا بلا أخطاء. وهناك اختراق وارتزاق وبلطجة وتطرف غليظ في مكان وآخر وفي جيب وجيب. وهو يتضح بشكل جلي، يوما بعد يوم، وفي جميع المستويات.
 
وقطعا لابد من التصويب والنقد، ويلزم دائما تعديل المسار والمراجعة وفق معايير مبادىء الثورة، ومواجهة فوضى العنف المضاد والفساد؛ لكن أليس في المقابل من اللازم على المعارضين من الحكماء المخضرمين والمخلصن والمفكرين، إرشاد الثورة والثوار بما يحملونه من إرث سياسي؟  هم الذين تقع عليهم مسؤولية توجيه الأمور بعقلانية وذكاء وحنكة ووطنيّة خالصة؛ لماذا الحاصل عكس ذلك: في التعالي السياسي على الثوار والثورة، وفي ممارسة الأحكام التعسفية وأساليب التنظير النخبوي، بالإضافة إلى ربط أنفسهم بحركات وجهات وتكتلات لا تصب في جوهر خدمة الثورة؟. قد تصاعدت حملات الإقصاء وعنف الاتهامات المتواصلة للثورة والثوار، وأوصلتنا  إلى جلد أحلامنا وطموحاتنا وثورتنا بسياط المخاوف من المسلحين العقائديين المتطرفين والإسلاميين والسلفيين والإرهابيين، ومن دولة الظلام ومن صورة المستقبل القاتم الذي سيمزق سوريا ويقسمها.
 
      إنها الحرب الدائرة على دم الشعب السوري من قبل نظام مجرم. ولابد من رجال يقاومون ويقاتلون ويدافعون عن الأرض والشعب؛ فمن الذي تطوّع لخوض هذه الحرب بدمه؟ هناك أشخاص سوريون من عموم الشعب السوري، مؤمنون بالإسلام وبالجهاد  ومتدينون، قاموا يحملون السلاح والمسؤولية الكبيرة، يضحّون بأرواحهم من أجل الحق في محاربة نظام بشار. وبغض النظر عن طبيعة موقفهم(ديني أو وطني)؛ فهم يقدمون دماءهم، بكل ثقة وإيمان، من أجل إسقاط النظام الظالم المجرم وتحقيق الحرية. ومع حجم تضحياتهم الكثيرة  وخسائرهم الفادحة؛ فإن المفروض، بدل استمرار التقريع والتشخيص التنظيري الفوقي والإقصائي، أن تتوحّد الجهود معهم  في عمل واحد، مهما كان الاختلاف والخلاف، لأنّ إطار الخلاف الديمقراطي وقبول الآخر واستمرار النقد البناء الموضوعي المرتبط برؤى بديلة، يزلل الصعاب، ويوصل بين الإرادات؛ لكي يكون العمل على هدف واحد، يفرضه الواقع نفسه، وهو تحرير الشعب السوري من نظام الإرهاب والاستبداد والإجرام. وهؤلاء الذين لا يعجبون كثيرين؛ لأنهم متدينون ولهم أيديولوجية إسلامية متطرفة هم جزء من مكونات الشعب السوري، يحتاجون إلى من يرفع معنوياتهم ويرشدهم، لا لمن يكرههم ويبخسهم حقهم وينبذهم. ألم يقدموا أرواحهم خالصة لمحاربة هذا النظام الاسستبدادي؟ وتقبلهم،  أمر أساسي، لكي نفسح لهم في المجال بحسن الأفعال، لكي يتقبلوا غيرهم، أيضا؛ لأنهم، في البداية والنهاية، جزء من المجتمع، والواقع؛ فهم لم يسقطوا سهواً من السماء. وهم بشر من سوريا؛ مثل العلمانيين والملحدين والشيوعيين والقوميين والاجتماعيين ومثل كل الجماعات الأخرى التي تنادي بحقوقها... وإذا كانوا هم قد استولوا على الثورة، كما يرى كثيرون، وأصبحوا يهددون أمن سوريا؛ فلأن الحرب على عموم الشعب  كانت عنيفة جدا، والعالم تخلى عن نصرة هذا الشعب، ولأن غيرهم انسحب خوفا أو جهلا أو جبنا أو ترددا.
 
    اختلافنا وخلافنا مع هؤلاء لا يعني إقصاءهم، ولا يعني أن نتهم الثورة، خوفا منهم ونشكك ونخوّن ونحكم بالفشل. وليس هناك بديل عن الحوار والانفتاح, وهو امتحان للجميع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق