الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-01-29

حرب فرنسا المعلنة والخفية مع الجماعات الاسلامية في سورية – بقلم: د. حسان الحموي


يبدوا جيدا لجميع المتابعين لموقف الغرب من الثورة السورية ، أن الجميع يتحضر لمعركة ما بعد الاسد ، ويعدّون لها عدتها ، وما هذه الحشود على الحدود الشمالية والجنوبية و الجولان ، إلا تحضيرا لمرحلة ما بعد الاسد ، لأنهم باتوا يدركون أن مرحلة الاسد آيلة للسقوط ؛ لكن ما بعدها يحتاج الى تدخل مباشر ، وهم يتريثون ريثما تنهك كل القوى وخاصة القوى الاسلامية "الراديكالية" التي تقاتل إلى جانب الجيش الحر في معركة الاستقلال الثانية.
لأنهم يريدون تقليل خسائرهم إلى الحد الادنى .


فالغرب بأكمله بدأ يستشعر الخطر المتمثل في الجماعات الجهادية المسلحة التي تتنامى قوتها نتيجة الظلم والاستبداد الواقعين على الشعوب الاسلامية، ونتيجة الاستعداء المنقطع النظير للمسلمين من قبل الغرب بعامة و تخاذله في نصرة المسلمين في سورية بخاصة ، حيث بات واضحا أن الغرب يرقص طربا على اشلاء ضحايا المسلمين في سورية سواء من المدنيين أو المعارضة المسلحة التي انتفضت تدافع عن شرفها وكرامتها وأعراض نسائها.

و لأن الغرب اليوم لا ينظر بنفس المنظار الحسن النية الذي ينظر فيه عامة المسلمين لهذه القوى الجهادية والتي أخذت صفة الأسلمة منذ بداية تشكيلها وخاصة في مسمياتها ، أو من خلال العناصر الجهادية التي ساندتها فيما بعد مثل جماعة النصرة وغيرها ، لذلك نراه يتوجس منها خيفة ويتربص بها حتى إذا حانت الفرصة انقض عليها قبل أن تتمكن من السيطرة على السلطة .

وباعتبار أن مزاج اوباما في الوقت الراهن لا يميل الى فتح ساحات حرب جديدة لذلك فقد عهد لفرنسا بهذه المهمة.

فالغرب لا يستطيع أن يظهر عداءه دفعة واحدة للشعب الثائر في سورية، و يريد احداث توازن ما في معادلته هذه فهو يريد محاربة الجماعات المسلحة التي تدافع عن الشعب الاعزل من جهة؛ ويريد من جهة أخرى أن يُبقي على صورته المدافعة عن الديمقراطية والحرية في العالم؛ لذلك لجأت باريس اليوم الاثنين الى استضافت اجتماع عمل لدعم الائتلاف الوطني السوري المعارض، الذي غاب عنه رئيس الائتلاف، وحضره نواب عن الائتلاف وممثلو نحو 50 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، بما فيها (الأمم المتحدة و الجامعة العربية و الاتحاد الأوروبي..» إلى جانب بلدان أخرى.

و اجتماع باريس أمس كان وراءه هدفان رئيسيان:
الهدف الاول : هو احتواء الاثار الكارثية على دول الجوار وعلى رأسها لبنان حيث هناك 221 ألفا من اللاجئين المسجلين فضلا عن غير المسجلين ؛ مؤكدة أن «أولوية فرنسا هي مساعدة لبنان على تحمل هذا العبء لأن من شأنه تهديد استقرارها.

الهدف الثاني : المساعدة في تشكيل حكومة انتقالية وإعادة تشكيل بنى المعارضة والذي من شأنه أن يسهل على الدول الراغبة تلبية حاجة المعارضة من الدعم المادي والسياسي والقانوني فضلا عن أن تطورا كهذا باعتقادهم «سيزيد من شرعية الحكومة ومصداقيتها في الداخل».
ففرنسا ترى أن استقواء المجموعات الجهادية كجبهة النصرة وغيرها ونجاحها في التحرك والحضور الميداني و«استقلالية» الكتائب المقاتلة، كل ذلك سوف يهدم من مصداقية الائتلاف رغم الاعتراف الدولي بشرعيته.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي تتحسسه فرنسا ومن ورائها الغرب ودول الجوار.
لذلك هي تريد أن تضفي بعض المصداقية على عمل الائتلاف من خلال تمرير المساعدات الموجهة للمعارضة السورية على أنواعها عبره، وهي ترى أن هذا الإجراء سوف يقوي موقع الائتلاف ويعطيه قدرة على التأثير الميداني.

أيضا فرنسا تريد من الائتلاف الانفتاح على القوى السياسية الميدانية، بحيث يكون القطب الجامع لها ، بغية منع الوضع من الانفلات نهائيا.

لكن فرنسا لا تريد الدخول في جوهر الاحتياجات العسكرية للمعارضة و التي من دون توفيرها لن تنجح المعارضة المسلحة في المحافظة على المكاسب التي تحققها ميدانيا ، لأنها حريصة على استطالة الحرب خدمة لجميع  الأطراف وعلى رأسها الغرب وروسيا والأسد وإيران.

وتأكيدا على سبق يأتي تصريح باريس بالأمس بأنه «ليس من المؤكد أن يعمد الاتحاد الأوروبي إلى تسليح المعارضة أو حتى لرفع الحظر» بسبب المخاوف من الحركات الأصولية الجهادية في سوريا، و لأن الغربيين لا يستطيعون الاطمئنان للجهات التي يقبلون بتسليمها السلاح المتطور.

لذلك وزير خارجية فرنسا يرى اليوم أن سقوط نظام الأسد «ما زال بعيدا».
لأن همها الوحيد هو عدم تضخيم قوة الجهاديين في سوريا وأهميتهم، وليس نصرة الشعب السوري ومناصرة قضيته.

ففرنسا تدرك أن جبهة النصرة وغيرها لا يزيد عددها على 2000 مقاتل
بالمقارنة مع أكثر من 100 الف في صفوف الجيش السوري الحر".
و «هم أعجز من أن يسيطروا على سوريا أو أن يحولوها إلى أرض جهادية على الطريقة الأفغانية»، فضلا عن أن «المزاج العام السوري لا يتوافق مع الروح الجهادية».
لكنها تدرك في المقابل أن نجاحهم في سوريا له بالغ الأثر على الجماعات الجهادية في أماكن أخرى ، لذلك هي ومن خلفها الغرب بإمكانهم التضحية بشعب بأكمله ، في مقابل القضاء على تلك الجماعات.

وفرنسا والغرب بعيدون عن ادراك حقيقة مفادها أن تقاعسهم عن نصرة الشعوب المقهورة هو الذي يخلق مثل هذه الجماعات ويقويها ، و أنهم لن يتمكنوا من تلك الجماعات ما داموا يمارسون النفاق السياسي و يتاجرون به مع شعوبهم ومع العالم.
الدكتور حسان الحموي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق