الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-04-03

كم علمانيا في سوريا؟ - بقلم: أبو طلحة الحولي


الشعب السوري والعلمانية :
تاهت سوريا أربعين عاما في تيه العلمانية والمادية والليبرالية واليسارية والنظم الفلسفية المختلفة برعاية آل الوحش، وكل الأديان والملل والمذاهب والأفكار كان لها صوت ووجود إلا الإسلام فماذا كانت النتيجة ؟

إن أي دين أو مذهب أو ملة أو فكرة أو فلسفة تتناقض مع الفطرة أو تصطدم بها فتسير في عكس طريقها مصيرها الفشل والزوال ..
 
إن الشعب السوري المسلم لا يعرف ما هي العلمانية ؟ ولكنه يعرف انه كان مقهورا مضطهدا باسم العلمانية وكان مجبرا بالحديد والنار على الإيمان بها، ممثلا في حزب البعث والمذاهب الأخرى، ولهذا لم تفعل العلمانية شيئا لتقدم سوريا، ولنهضة سوريا، ولبناء سوريا، فقد تمزق الإنسان السوري إلى أجزاء شتى، وأصبح لدينا الإنسان الغير منتمي، الفاقد لخصائصه وتوازنه ووجوده وكرامته وتكوينه المتوازن بين الجسد والروح، وأصبح لدينا الإفلاس الفكري والحضاري، والتخلف في كافة الميادين الاقتصادية والسياسة والعسكرية والاجتماعية ..

لقد فقد الإنسان في سوريا ـ مهما كانت عقيدته ـ إنسانيته، ولذا لم تكن هذه الثورة ثورة على الاستبداد والظلم فقط، بل ثورة على ما سلب من الإنسان من إنسانيته وآدميته وكرامته ..

انها ثورة للخروج من التيه، تيه الروح، وتيه الجسم، وتيه العقل، وتيه الحياة .. وتيه الهدف ...

ثورة ضد البعد عن الله .. ضد الأيدلوجيات والمناهج التي صارعت فطرة الإنسان السليم، وبالتالي فشلت في المحافظة على هوية الأطفال والفتيان والفتيات والرجال والنساء ...

ثورة ضد النفوس الشهوانية والعقول المستعبدة للبشر ..
ثورة ضد سرقة ثروات الأمة ومدخراتها وخيراتها ...
إن هذه الثورة المباركة لم تكن تحدث لو كان للإنسان السوري إنسانيته، وفق التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، ولم تكن تحدث لو كان الإنسان السوري يعرف وجهته، ومنهجه، وأنه ليس ضائعا تائها في هذا العالم الكبير، تقذفه أمواج الانحلال والتغريب والاستعباد الفكري والثقافي والجسدي .

لقد ثار الشعب ليعود إلى طهارة الروح، ونظافة الجسم، وسلامة العقل .. فالنفوس الجائعة المتعطشة للسلام الداخلي والسلام المجتمعي والسلام الإقليمي والسلام العالمي، لن تستطيع العيش إلا ضمن المنهج الذي وضعه خالقها ..

انطلقت الثورة في سوريا من المساجد لا البارات، وانطلقت ترفع السبابة للسماء صادحة "يا الله مالنا غيرك يا الله "، ولم تنطلق لترتمي في أحضان الغرب أو الشرق الذي يكفر بالله، فما المزعج في ذلك ؟

هل المزعج في هذه الثورة أصوات التكبير .. والبسملة في بداية كل حديث أو لقاء أو انشقاق ؟

هل المزعج في عودة الناس إلى ربهم، آيبون تائبون عابدون لربهم حامدون ..

هل المزعج في انطلاقة المرأة في موقفها الحضاري الرائد في الصبر والتضحية ومساندة الثورة قولا وفعلا بكافة الأنشطة الثورية وهي  ممسكة بحجابها، متحلية بأخلاقها، فلا عري، ولا إسفاف، ولا إفساد ؟

هل المزعج أن الشهداء يخرجون من المساجد، ولا يخرجون من المسارح والكباريهات والمراكز الثقافية !!؟؟

هل المزعج أنه لا توجد للعلمانيين راية أو اسم جمعة أو كتيبة سلمية أو جهادية مع الثوار والجيش الحر ؟

هل المزعج أنه لا توجد للعلمانيين سيطرة تلقائية على الحراك الثوري ؟ وأنهم يطلبون من الغرب والشرق المساعدة ليكون لهم وطئ قدم في الحراك الثوري ؟

هل المزعج أن يعيش الشعب السوري حياته بالإسلام ؟ وأن يحكم بما أنزل الله !!

هل المزعج أن الثوار أقصد الشعب السوري لا يعطي للعلمانيين بالا .. فما هم في نظره إلا الوجه الأخر للغرب ؟

إذا كان الشعب السوري لا يتوقف عن ترديد الهتافات والشعارات الإسلامية في كل يوم، وفي كل لحظة، بشكل إفرادي، ثم تكتمل اللوحة بأزهى الألوان، وأجمل صورة في يوم الجمعة لتكون الشعارات والهتافات جماعية، " الله ربي، ومحمد نبي، والإسلام ديني والقرآن كتابي " ويرفع شعارات عديدة " يا الله مالنا غيرك يا الله "، " قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد "، " هي لله، هي لله "، " للجنة رايحين، شهداء بالملايين " فكم علمانياً في سوريا ؟

كم علمانياً لا يريد محمدا قائده إلى الأبد !! ؟
كم علمانياً لا يريد الإسلام منهج حياته !! ؟
كم علمانياً لا يريد القرآن دستوره !! ؟
كم علمانياً لا يريد الشهادة في سبيل الله !! ؟
كم علمانياً لا يريد الحرية !! ؟
كم علمانيا يجاهد في سبيل الله، يدافع عن نفسه وعن عرضه وعن ماله وعن وطنه !!!!؟

إذا كان الشعب السوري يهتف يا الله، فكم علمانيا يهتف يا علمانية ؟
وأين هم ؟
إنهم شرذمة قليلة، ومكان تواجدهم في الفنادق الفارهة، وخلف الفيسبوك، وعند الإعلام المستغرب والغربي .

لحساب مَنْ ؟ :
إن الشعب السوري مسلم بشكل طبيعي، في قيمه ومبادئه وأخلاقه وسلوكه وحياته ومماته، وسلمه وحربه .. فإلى أين ستأخذنا الأصوات المنادية بالعلمانية ؟
لحساب مَنْ ؟ تغيير هوية الشعب السوري ..
لحساب مَنْ ؟ تريد من الشعب السوري أن يؤمن بعبودية الغرب وقد ثار على عبودية وحشه الذي حكمه ؟
لحساب مَنْ ؟ يحارب الشعب السوري ويقتل ويدمر ؟
لحساب مَنْ ؟ تعقد المؤتمرات لتخرج علينا بإعلان استبدادي: تجمعنا لإسقاط الأسد وإبعاد الإسلاميين عن الحكم ..
لحساب مَنْ ؟ التخويف من الإسلام والمسلمين ..
لحساب مَنْ أيها العلمانيون ؟
لحساب الشعب السوري .. والشعب السوري شعب مسلم سني.
لحساب أنفسكم !! ومن انتم ؟ ألستم من الشعب السوري المسلم أم من غيره ؟
لحساب أجندة خارجية غربية وشرقية !! فإن كان كذلك فأنتم خونة ..  ولا مكان للخونة مهما كان نوعهم وتلونهم وأطيافهم في الشعب السوري .. فالشعب السوري المسلم وطني، ولا يزايد على وطنيته أحد .

لحساب مَنْ ؟ وأنتم  ترددون ما يقوله الغرب عن الإسلام، وعن الشريعة، وعن الإصلاح، وعن الرجل، وعن المرأة، وعن التخلف، وعن التطور ..

لحساب مَنْ ؟  ترتجفون وتخافون من الإسلام ؟ وهو الذي أعطاكم الأمان والحرية في كل ما تقولونه وتفعلونه .

لحساب مَنْ ؟ هذا الخوف والرعب من الثورة، والانقلاب على الثورة التي تنادي بإنسانية الإنسان ليكون هناك مشروع حضاري يشمل الروح والجسد، والرجل والمرأة، والحرية والعدالة، والبناء والنهضة ..

ألستم عبيدا لفكر الغرب .. فأين حريتكم الفكرية ؟
ألم تنادوا بتحرير العقل والفكر أيام الوحش المظلمة فلماذا تغلقون عقولكم ولا تحرروها في هذه الأيام المنيرة ؟

وأتساءل : هذا التحالف المجوسي والصفوي والروسي مع الوحش، والكيد الصليبي الصهيوني والتواطؤ الغربي والشرقي بصمته ومهله الذي يدمر الإنسان كوجود وكيان مدمرا معه الحرية والعدالة والإصلاح والإنصاف والسلام، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فيدمر الأخضر واليابس والكائنات الحية والحجر والهواء .. هذا التحالف هل تستطيع العلمانية أن تقف ضده ؟

هل تستطيع العلمانية أن تفصل فكرها وتحرر عقلها من تبعية الغرب وتعلن أنها مع الإسلام ضد الغرب الذي يتاجر بالديمقراطية وحقوق الإنسان !!؟

ثم هل يستطيع العلمانيون أن يقرروا إذا كانوا مسلمين  أم لا؟ فإن كانوا مسلمين فلماذا العلمانية ؟ والإسلام أفضل وأشمل وأثبت وأوضح وأنقى منها !!!

إذا كنتم مسلمين وتتحدثون عن حقوق الإنسان فلماذا لا نشبك بين أيدينا ؟ ونبني من جديد الإنسان .. الإنسان المتوازن بين روحه وجسده ..

لماذا لا نشبك بين أيدينا ؟ وننشر فكرنا وعقيدتنا وأخلاقنا وقيمنا للعالم، فهم عطشى للقيم ..

لماذا لا نشبك بين أيدينا ؟ ونتعاون فيما اتفقنا عليه .. وننصح بعضنا فيما اختلفنا فيه.. ويعذر بعضنا بعضا ..

وإذا كانوا غير مسلمين فلماذا الاختباء وراء اسم العلمانية ؟ أظهروا ديانتكم !! ولكم حقوقكم وعليكم واجبات  بلا لف أو دوران أو تبعية ..
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } (سورة النساء : 63 )

الخوف من الوهم :
لقد نشأت العلمانية في العالم الغربي، وهو يعيش حياته وفق مرئياته وفلسفته في الحياة، وهو يجاهر أو يتلوى  كالأفعى ـ حسب مصالحه ـ بعداوته للإسلام،  فهو لا ينسى المعركة التي يسمونها بواتيه وأعني بلاط الشهداء، ولا ينسى فتح الأندلس وصقلية والقسطنطينية، ولا ينسى حطين وعين جالوت، ولا ينسى ديمومة الإسلام، فالإسلام ينتشر لديهم بقوة، يحطم فلسفتهم المادية ويصحح نظرة معتنقيه للكون والحياة والإنسان .

ومع هذا لم نسمع أو نقرأ أن العالم الغربي يخاف من علمانيته ؟
ولم نسمع أو نقرأ أن النصارى يخافون من ديانتهم النصرانية ؟
ولم نسمع أو نقرأ أن اليهود يخافون من ديانتهم اليهودية ؟
ولم نسمع أو نقرأ أن المجوس يخافون من ديانتهم المجوسية ؟
فلماذا نسمع ونقرأ أن هناك من يقال لهم مثقفين !!! ومفكرين !! ينتمون للإسلام يخافون من ديانتهم الإسلامية ؟

إن خوف العلمانيين  ليس في محله، وليس موجودا في الواقع، فالإسلام ليس جديدا على الشعب السوري، فهم مسلمون أصلا، بل هو خوف  وهمي موجود في عقولهم فقط، والخلل ليس في الإسلام بل الخلل في عقولهم وتصوراتهم وتخيلاتهم، فلا يفهمون روح الإسلام، ولا طبيعة الإسلام، ولا مبادئ الإسلام، ولا حضارة الإسلام ..

كما أن هناك أناس ينتمون إلى التيار الإسلامي ولكنهم يخافون أن يعلنوا ويفصحوا عن أنهم إسلاميين، وكأنهم في قفص الاتهام .. ولذا يعتبرون الثورة السورية ثورة شعبية ضد الطغيان ليس لها علاقة بالإسلام .. أو يتحدث أحدهم في مؤتمر للمعارضة دون أن يتطرق إلى أي صبغة إسلامية على المؤتمر أو على كلامه .. وكأن الإسلام مشكلة !!!

فلماذا هذه الهزيمة النفسية ؟
لقد ذكرت في مقال سابق بعنوان " العلمانية والثورة " إن هوية الثورة أمر ذو أهمية كبرى في حياتها ومستقبلها، والسبب الحقيقي لعدم تدخل العالم لإنقاذ سوريا هو هويتها الإسلامية السنية، فلو كان غالبية الشعب السوري ذو هوية علمانية لتدخل الغرب بقوة، ومنذ أول يوم، ولكن لأن الشعب السوري مسلم سني لا يتدخلون، وهاهم يتفرجون على الدماء والمذابح والمجازر بلا أدنى مبالاة ينتظرون البديل المناسب لهم .. ووضوح هذه الهوية منذ البداية أمر مهم جدا في كتابة تاريخ مستقبل الثورة، ومستقبل الأجيال القادمة، ومستقبل العالم .

فلا تنازل عن الهوية .. ولا أنصاف حلول حول إبعاد الهوية من أي حراك أو نقاش أو وثائق .. فالثورة التي تحمل صفة العلمانية لا تثمر إلا استبدادا لأنها تصب في مصلحة الغرب ومتوافقة معه .. والغرب وإن تشدق بالديمقراطية إلا أنه عدو للإسلام .. ويحاربه بمسميات مختلفة .. والمحصلة النهائية لهذه الثورة العلمانية هي الضنك والشقاء للمواطن والإنسان ..

أما الثورة التي تحمل صفة الإسلامية لا تثمر إلا عدلا لأنها تصب في مصلحة الإنسان كإنسان وليس كمصالح، وبالتالي لا توجد تبعية ولا عبودية إلا لله الواحد الذي خلق الإنسان .. فلا يتجه للغرب ولا للشرق .. فعلمانية الغرب وشيوعية الشرق هي التي دمرت حياته ومزقت روحه وجسده، فعاش في اغتراب نفسي، وكذلك المجتمع الذي يعيش فيه مجتمع مغترب عن الواقع الفطري للإنسان، منفصل عن معتقداته وأخلاقه ومبادئه ..

والمحصلة النهائية لهذه الثورة الإسلامية السعادة والحياة الطيبة للمواطن والإنسان في أي مكان في العالم .

فكيف يلتقي ظلام العلمانية ونور الإسلام في خندق واحد ؟"
إن الثورة السورية بحاجة إلى ثورة أخرى إذا استبد أهل العلمانية بآرائهم، ووضعوا أنفسهم تحت تصرف الغرب، فيجب الحذر منهم والأخذ على أيديهم حتى لا تدور الثورة المباركة في حلقة مفرغة، وما آلت إليه الأحوال في مصر وليبيا وتونس ففيها دروس وعبر لكل معتبر ... فالاستبداد العلماني لدى شرذمة من الأبواق المنادية بالعلمانية لا يقل خطرا عن الاستبداد الطغياني لدى الوحش فكلاهما هدفه القضاء على الإسلام، وكلاهما ليس له قاعدة شعبية ويدعمه الغرب الصليبي الصهيوني، وكلاهما شعاره أنا أو أحرق البلد .

وقد يقول قائل أن هذا تطرف وإرهاب وحجر على فكر وكلام ورأي الآخرين، وهذا كلام غير صحيح، فالخلاف لا يكون في الجوهر وإنما في الفروع، فإما أن تكون مسلما أو لا!! وإما أن تحتكم إلى ما أنزل الله أو لا !! وإما أن يكون ولاؤك للمسلمين أو لا!! وإما أن تكون هويتك نابعة من إسلامك وعروبتك أو لا !! وإما أن تكون مع الشعب الثائر قلبا وقالبا أو لا !!!

إن الإسلام هو الإسلام لا يتغير ولا يتبدل، دين الله الخالد رضي من رضي وسخط من سخط .. ومن حق كل إنسان مسلم أن يعتز بإسلامه، وأن يعيش حياته حياة إسلامية .. ومن حق كل إنسان علماني أن يعود إلى الإسلام بشموله وتوازنه وثباته وايجابياته وواقعيته ..

ومن حق كل إنسان غربي وشرقي أن تصله رسالة الإسلام الخالدة .. والثورة السورية منبر من منابر توصيل هذه الرسالة بالقدوة فعقيدتهم وأخلاقهم وتصرفاتهم وسلوكهم الحضاري في التعامل السلمي والجهادي هي خير وسيلة لإيصال رسالة  للبشرية بأن الإسلام هو الدين الحق وأن العالم لعداوته للإسلام مساند وفاعل  في  دمار الإنسان وإنسانية الإنسان ..
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:3)    

والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق