الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-08-01

إرث سورية الديمقراطي – بقلم: فاتح الشيخ [1]


من المعروف في التاريخ السياسي للنصف الأول من القرن العشرين ، أن سورية كانت أول قطر عربي وشرق أوسطي ، يحقق استقلاله الوطني التام، ويؤسس  لحياة ديمقراطية سليمة عام 1946 ، حيث خاض الشعب المجاهد بجميع مكوناته الوطنية معركة مزدوجة، مع سلطات الانتداب الفرنسي من جهة، ومع الاستبداد السياسي من جهة أخرى، بهدف بناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي، يمهد لإقامة دولة وطنية مدنية ذات سيادة تامة باعتبارها أم المؤسسات.


إن توجه القوى السياسية السورية صوب الخيار الديمقراطي لإدارة الشؤون السياسية في تلك المرحلة ، لم يكن خياراً عقائدياً مستورداً من الغرب الليبرالي ، وإنما كان خياراً واقعياً ومُنتَجاً وطنياً ، اقتضته التعددية العرقية والدينية والطائفية والمذهبية ، وعدم التجانس التام للمجتمع السوري  ( للمزيد :  هل النظام السوري حامي الأقليات أو حامي العصبيات – فاتح الشيخ – جوجل ).

لقد وعى السوريون من خلال تجاربهم الديمقراطية غير المتواصلة ، لثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي ، أن نظام الحكم الديمقراطي نظام محدد المعالم ، يتطلب وجود منظومة متكاملة ، من المبادئ والمؤسسات والآليات ، والضمانات ، والضوابط التي تضبط عملية تحديد الخيارات ، واتخاذ القرارات العامة.

لذا فقد عمل أهل الديمقراطية السورية على تشييد البنى الارتكازية التي يستند إليها نظام الحكم الديمقراطي وخاصة في الفترة 1954- 1958  وذلك من خلال  : 

أولاً : الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي ( الدستور التوافقي لعام 1950 ) ، باعتباره عقداً اجتماعيا بين المواطنين السوريين ، قامت بوضع مسودته جمعية تأسيسية منتخبة شعبياً، وصادق عليها مجلس النواب، وهو الدستور الذي : حدد هوية الدولة ، وشكل النظام الديمقراطي (البرلماني) ، وآليات عمل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، والفصل فيما بينهما ، وضَمِنَ الحريات العامة ، وحرية الرأي والتعبير والنشر ، وسرية المراسلات والهاتف ، وحق الاجتماع والتظاهر، واحترام العقائد والممارسات الدينية، والاعتراف بالتنوع المجتمعي وخصوصيات الشعب، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات ، وإجراء انتخابات حرة لاختيار نواب الشعب ، وحدد مهمة الجيش بالدفاع عن حدود الوطن  والعيش الكريم للمواطن.

ثانياً: جَعْلُ الشعب مصدر السلطات جميعاً نصاً وتطبيقاً ، دون وصاية من فئة أو فصيل سياسي يحتكرها والحكم بالقانون بدل حكم القانون، وعدم أخذ القانون لما أعطاه الدستور ( للمزيد : مراجعة قوانين النظام السوري مقارنة بدستوره : قانون الأحزاب ، قانون الإعلام ، قانون مكافحة الإرهاب !.....).

ثالثاً:  إطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ، باعتبارها عماد الديمقراطية  التي تٌجَمِعُ المصالح وتعبر عنها، دون فرض أية قيود على تشكيلها ، سواء كانت أحزاباً دينية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية ، والتي تم توفير الإطار القانوني لعملها ، من دستور وتشريعات  وقوانين ومواثيق وقرارات مثل: القانون الانتخابي، والنظام الحزبي التعددي ، وقانون المشاركة السياسية ، وقانون تنظيم الحملات الانتخابية، وإجراءات التأسيس، حيث كان لا يتطلب تأسيس أي حزب سياسي ، أكثر من جمع تواقيع عشر أشخاص على عريضة تقدم لوزارة الداخلية ، للإبلاغ فقط عن اسم الحزب ومبادئه وأهدافه وتسجيله لديها ، كي يستطيع المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة ، لكن دون انتظار موافقتها ، وجميع الأحزاب والحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في سورية قد شكلت على هذا النحو ، بما فيها حزب السلطة الحالي ، الذي انقلب على الديمقراطية ، وانفرد بالسلطة قهراً وغلباً عام 1963، وفرض الأحادية الحزبية ، وهمش التعددية الحزبية ، وعندها فقط بدأ يعلو منسوب المسميات العرقية والطائفية الضيقة على المسميات الوطنية الواسعة.

رابعاً : تحقيق المواطنة المتساوية تطبيقياً ، من خلال اعتبار المواطنة مصدر الحقوق ومناط الواجبات، دون تمييز عل أساس العرق أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو الثروة أو الجنس ، وتساوي الفرص من حيث المنافسة على تولي السلطة لأي مواطن ، أو تفويض من يتولاها نيابة عنه.

خامساً : احترام التعددية العرقية والدينية والطائفية والمذهبية للمجتمع السوري ، باعتبار سورية لجميع مواطنيها ، والإقرار بالتعددية الفكرية والثقافية والسياسية، ونبذ المحاصصات التفكيكية العرقية أو الطائفية المفسدة للوحدة الوطنية، واعتبارها مشروعا للحرب الأهلية بين أبناء الشعب الواحد ، بل تم الأخذ بالديمقراطية السياسية – التنافسية - والالتزام بمبدأ المواطنة باعتباره قوام النظام السياسي الديمقراطي ، مع احترام خصوصيات الشعب من ثقافة ومعتقدات وأندية وأحوال شخصية ، وعادات وتقاليد.

سادساًالتداول السلمي على السلطة ، سواء داخل السلطة التنفيذية أو داخل السلطة التشريعية ، والذي كان يتم وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة وفعالة ، تحت إشراف قضائي وطني ، أو تحت إشراف المنظمات الدولية ، وذلك للحد من استغلال أي نفوذ في العملية الانتخابية.

إن إجماع التيارات والقوى السياسية الليبرالية والإسلامية والعروبية واليسارية كافة ، على تبني مشروع وطني ديمقراطي ، والقبول بالمنافسة السلمية من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع ، سبيلاً لتذليل جميع العوائق التي تعترض مسيرة العمل الوطني ، كان السبب الرئيسي في تحقيق العديد من الإنجازات على الصعيدين الداخلي  والخارجي.

إنجازات العهد الديمقراطي 1954- 1958:
لقد كان العهد الديمقراطي للفترة 1954-1958 ، من أفضل العهود السياسية التي عاشتها سورية ، منذ استقلالها وحتى الوقت الراهن ، وذلك نتيجة الأخذ بالشرعية الدستورية ، نهجاً لإصدار القرارات العامة  وهذا ما انعكس على تحقيق المنجزات التالية :

·      تحقيق أعلى معدل نمو اقتصادي في العالم الثالث ، مما انعكس بالإيجاب على زيادة معدل الدخل السنوي للمواطن السوري ، والبالغ حينها ثلاثة أضعاف الدخل السنوي للمواطن الكوري الجنوبي  وذلك نتيجة لتبني دستور 1950 بمواده الاقتصادية الدعوة إلى تعاون القطاعات الاقتصادية الثلاثة ( عام ، خاص ، تعاوني ) في النشاط الاقتصادي وتقاسم ثمراته.

·      تأسيس بنية تحتية متعددة المهام، والتي مازالت سورية معتمدة عليها حتى الآن ( السدود - المشاريع الزراعية - شق الطرق – الموانئ – المطارات المدنية – المصانع – الصحة المجانية – التعليم المجاني – المدارس – المعاهد الفنية – الجامعات ..) مع عدم تسييس المناهج التعليمية.

·      تأميم الشركات الأجنبية لوقف النهب الاستعماري للثروة المعدنية والموارد الطبيعية .

·      إطلاق الحريات العامة ، أحزابا وصحافة ونشراً وتعبيراً وفكراً ومنظمات مجتمع مدني.

·      عدم وجود أية أجهزة أمنية لمراقبة وقمع المواطنين.

·      لم يشهد العهد الديمقراطي أي تفعيل لقانون الطوارئ.

·      إعادة هيكلة الجيش السوري على أسس وطنية واحترافية ، دون لوثة سياسية أو طائفية ، وكسر احتكار السلاح المفروض على سورية من قِبل القوى الغربية.

·      استطاع الشعب السوري نتيجة أخذه بالأسلوب الديمقراطي سبيلاً لإدارة شؤون الحكم ، على إسقاط العديد من المؤامرات الاستعمارية ، وعلى رأسها حلف بغداد الاستعماري وتهديدات أقطابه والصمود أمام الحشود العسكرية التركية، والاعتداءات العسكرية الصهيونية المتكررة ، والتهديدات الأمريكية ، والتي أتت جميعها في وقت متزامن .

·      توج الشعب السوري ربيعه الديمقراطي بالوحدة مع مصر العروبة عام 1958 وقدم ديمقراطيته فداءً للوحدة معها ، واليوم يقدم الشعب السوري دماء أبنائه فداءً لاستعادتها والحرية والكرامة عنواناً لها.

وأخيراً نقول /
وغداً تأتلف الحياة السياسية السورية ديمقراطية وازدهاراً ، ويذهب شتاء الاستبداد بغيومه السوداء  ويأتي ربيع الديمقراطية ونسيم الحرية ، وتكون الديمقراطية بوابة تحقيق جميع أهدافنا الوطنية والقومية  بفضل الثوار من شعبنا العظيم .

نعم. كان لنا إرثاً ديمقراطياً، وسيتم استرداده عما قريب.
وتبقى الديمقراطية أولاً والديمقراطية دائماً.



[1] - فاتح الشيخ – كاتب سوري مقيم في ألمانيا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق