الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-08-13

العدالة الانتقالية والربيع العربي – ترجمة: أحمد حمودي


المقرر:  هيمي ميستري Hemi Mistry
2012
العنوان الأصلي:

Transitional Justice and the Arab Spring
Meeting Summary: International Law and Middle East Programme, 1 February 2012, Rapporteur: Hemi Mistry
 
مقدمة المترجم:
ثورات "الربيع العربي" أعادت النقاش حول آليات العدالة الانتقالية ومدى أهمية إعادة النظر فيها وفقا للتطورات في هذه المنطقة. ضرورة إدراك الخصوصية المجتمعية في تبني آليات العدالة الانتقالية لكل دولة تشهد تغييرا في المنطقة، هو ما أكده الاجتماع التشاوري لمجموعة من الخبراء والسياسيين في بداية العام 2012.


المجتمعون عرضوا التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية، العربية منها والدولية، التي من الممكن الاستفادة منها مع إدراك التطورات في دول المنطقة العربية والتي يمكن أيضا أن تكون نموذجا لتطورات أخرى محتملة. الاجتماع استعرض الخبرات المختلفة لدول "الربيع العربي" والجوانب الإيجابية والسلبية فيها وكيفية الاستفادة منها.

النموذج الغربي للعدالة الانتقالية كان موضوع النقاش المهم والذي أكد أن هناك الكثير من الشكوك في المنطقة حول المحاكم الدولية التي تستخدم كأداة سياسية ضاربة كمثال لذلك المحكمة الخاصة بدارفور في مقابل السكوت عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان. أحد النقاط المهمة في هذا الاجتماع التأكيد على أن تركيز آليات العدالة الانتقالية على انتهاكات حقوق الانسان يهمل التحقيق في الجرائم الاقتصادية ودعوته الى شمولية آليات العدالة الانتقالية.

هناك الكثير من القضايا المهمة المتصلة بالعدالة الاتقالية- التي طرحها النقاش- مثل توقيت تنفيذ العدالة الانتقالية وضرورة التسوية السياسية قبل البدء بتطبيق العدالة الانتقالية، كذلك دور المجتمع الدولي وضرورة إعادة النظر فيه بإدراك الخصوصية المحلية، بالإضافة الى "تسلسل آليات العدالة الانتقالية"، وأخيرا تغيير مفاهيم العدالة الانتقالية في ضوء الربيع العربي.

الاجتماع يمكن أن يكون مفيدا للعاملين في مجال حقوق الإنسان بالإضافة لصناع القرار في العالم العربي وأخيرا وليس آخرا ممكن أن يكون مفيدا في إثارة الوعي حول آليات العدالة الانتقالية حيث المجتمع العربي أحوج ما يكون اليوم إلى الالتزام بآليات العدالة الانتقالية التي تعزز المصالحة المجتمعية والتفكير في بناء المستقبل.

مقدمة:
سيذكر عام 2011 كعام للموجات الثورية التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  ومع ذلك، في حين أن الأنظمة والزعماء قد أطيح بهم، فإن  عملية استبدالهم ليست سوى مجرد بداية.  على الرغم من أن كل حالات  "الربيع العربي " تمثل تقاطع مجموعة فريدة من العوامل المختلفة، فإنها مشتركة في جميع الحالات بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة وغيرها من الانتهاكات التي ارتكبتها الأنظمة السابقة خلال سيطرتهم على السلطة . دور العدالة الانتقالية هو تمكين هذه المجتمعات بتحديد أفضل السبل لمعالجة أخطاء الماضي عندما تريد أن تبني المستقبل.

وقد عقدت هذه المائدة المستديرة لمناقشة دور آليات العدالة الانتقالية في هذه المجتمعات، وعلى وجه الخصوص، لتلقي الضوء على دور الآليات الدولية للعدالة ودور الجهات الدولية الفاعلة في كل هذه الحالات.  على وجه الخصوص، تركّز النقاش حول ما إذا كان الربيع العربي قد غير التصور حول العدالة الدولية في مختلف أنحاء المنطقة.  التطلع الى المستقبل بعض الدروس التي يمكن تعلمها من الأحداث التي وقعت في المنطقة حتى الآن. وقد سعى المناقشون إلى وضع العوامل التي يمكن أن تساعد في توجيه مستقبل مبادرات العدالة الدولية، عندما تسعى إلى مساعدة المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية.

وكان من بين المشاركين ممثلون عن المنظمات غير الحكومية، والسفارات، والأكاديميين والمحامين الممارسين. وقد عقد الاجتماع تحت رعاية رول هاوس تشاتام

 Chatham House Rule.

العدالة الانتقالية، بشكل عام، تدل على مختلف السياسات والاستراتيجيات التي تطبقها المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية والتي تهدف إلى معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتُكبت في سياق محدد وفي وقت محدد.  دائما، تنشأ هذه الآليات لمعالجة الأخطاء التي ارتكبت من قبل الأنظمة السابقة، والقادة والأنظمة الديكتاتورية أو الاستبدادية الذين تعرضوا للعزل وتمت عملية استبدالهم. الفترات الانتقالية تشمل تغيير نظام بآخر، في كثير من الحالات كانت تنطوي على تغيير جميع مؤسسات الدولة.  هذه المجتمعات عادة تنتقل الى الديمقراطية، ومع ذلك، هذا ليس صحيحا بالضرورة، فالتحولات التي تشهدها مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست محددة، كما أنها ليست كاملة.

الأهداف:
الأهداف لتبني آليات العدالة الانتقالية متعددة وإلى حد كبير تعتمد على طبيعة المرحلة الانتقالية.  في النهاية، العدالة الانتقالية تهدف إلى تسهيل عملية المصالحة المجتمعية : لمعالجة قضية  "كيف يمكن للمرء العيش مع الجار؟"  عندما يكون الجيران مسؤولين عن، أو متواطئين في، أعمال شنيعة في كثير من الأحيان من سوء المعاملة أو أنماط من العنف والاضطهاد في ظل النظام السابق. وفقا لذلك، ان جانبا رئيسا من جوانب العدالة الانتقالية هو المساءلة accountability: ضمان محاسبة المسؤولين عن أخطاء وأضرار الماضي وفقا لسيادة القانون.  ولا بد من تقديم الصورة الحقيقية للوضع، بدلا من الأعمال الفردية للانتقام.

الوظيفة الأخرى للعدالة الانتقالية هي تقصي الحقائق: لإنشاء سجل تاريخي مقبول حول ما جرى خلال الفترة السابقة، الأضرار التي لحقت بالآخرين والتي ارتكبها أفراد أو مجموعات، والاعتراف بتلك المظالم. وثمة هدف آخر هو استعادة ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة، من خلال الإصلاح المؤسسي وإقامة سيادة القانون.  في هذا الصدد، اثنين من أهم المؤسسات التي تثير القلق هي الأجهزة الأمنية والنظام القضائي بما في ذلك التشريع.

مفهوم العدالة الانتقالية تطور تاريخيا ضمن النموذج الدولي لحقوق الإنسان:  السعي لتحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، التي في كثير من الأحيان ذات طابع منهجي . لكن، وكما تبين من المناقشة، ليس هناك ما يحقق العدالة الانتقالية دون التصدي لارتكاب جرائم أخرى، مثل الجرائم الاقتصادية والفساد.  استراتيجيات العدالة الانتقالية المعتمدة في أي حالة معينة تتوقف على طبيعة الظلم الذي تعرض له المجتمع الانتقالي من جراء النظام السابق.  الفساد يلعب دورا في كثير من الأحيان في انتهاكات حقوق الإنسان.

على الرغم من أن السعي لتحقيق هذه الأهداف من خلال آليات العدالة الانتقالية يمكن أن يشكل طبيعة واتجاه التحول في حد ذاته، فإنه من المهم أن لا يتم تبني إجراءات measures  العدالة الانتقالية قبل ظهور توافق في الآراء حول شكل التسوية السياسية التي ستعتمد .

آليات من أجل العدالة الانتقالية : لمحة عامة
يمكن تبني آليات - التي يمكن من خلالها السعي للعدالة الانتقالية- بعدد من الأشكال القضائية وغير القضائية، وبعضها قد يتطلب التدخل الدولي، والبعض الآخر لا يحتاج لذلك.

فيما يتعلق بالمؤسسات القضائية، الآلية الأولى الملاحظة هي ايجاد نظام المحاكم الوطنية، سواء المدنية أو الجنائية، التي يمكن من خلالها تحديد المساءلة عن انتهاكات القانون الوطني ومحاكمة مرتكبيها، والتعويض المطلوب.  ومع ذلك، العديد من المجتمعات الخارجة من عقود الحكم الاستبدادي يحتمل أن لا تملك القدرة على ضمان أن تكون العملية القضائية وإقامة العدالة عادلة ونزيهة.  " النظام القديم" ربما يتسلل إلى جميع الأجهزة الحكومية، بما في ذلك السلطة القضائية وأجهزة إنفاذ القانون.  وبالمثل، فإن الثقافة القانونية أو ثقافة المساءلة ربما تكون غير موجودة، مثل هذه الظروف ليست مواتية لإجراء المحاكمات وفقا للمعايير المعترف بها دوليا. وبالمثل، قد يكون ليس من الممكن ضمن النظام القضائي الوطني ضمان حماية حقوق المتهمين، وأن أي محاكمات يمكن أن تشكل عدالة المنتصر  victor’s justice. وأخيرا، المجتمعات الانتقالية ببساطة ليست لديها الموارد والبنية التحتية والقدرة على الاستجابة لحالات الاجرام الجماعية المحتملة، أو داخل مجتمع ما بعد الصراع الذي يتبعه دمار شديد.

ونظرا للعجز المحتمل من المؤسسات الوطنية، يمكن أن يتولى  "المجتمع الدولي"  في أشكاله المتعددة، تقديم المساعدة القضائية. على هذا النحو فإن الآلية القضائية الثانية هي المحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court (ICC)، والتي لها اختصاص النظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب، عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة حقا على التعامل مع هذه الحالات.  حيث الحالات الانتقالية غالبا ما تتبع بفترات انتهاكات لحقوق الإنسان منهجية أو واسعة النطاق ( ارتكاب جرائم ضد الإنسانية( ، أو في فترات النزاع المسلح (جرائم الحرب( ، وهذا يمكن أن يكون آلية مناسبة للمتابعة.

ومع ذلك، اختصاص المحكمة مقيد. إنها قادرة فقط على ممارسة الأحكام القضائية على الأفعال التي ترتكب على أراضي دولة تكون قد صدّقت على نظام روما الأساسي Rome Statute of the ICC للمحكمة الجنائية الدولية أو قبلت بطريقة أخرى سلطتها القضائية. غالبية دول الشرق الأوسط لم تنضم إلى اتفاقية روما. الطريقة الوحيدة الأخرى التي يمكن أن تناط بها محكمة ذات اختصاص هي إذا كان مجلس الأمن الدولي UN Security Council قد قدم الاحالة الى المحكمة بموجب صلاحيات الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة وفقا للمادة13(b)  من نظام روما الأساسي.  حتى الآن، قدم مجلس الأمن اثنين من هذه الإحالات، أولها عام 2005 إحالة الوضع في دارفور، غرب السودان، وثاني هذه الحالات عام 2011 إحالة الوضع في ليبيا. وقد انتقدت سياسة الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بواسطة مجلس الأمن في بعض الأحيان.

آلية قضائية أخرى متاحة في سياق العدالة الانتقالية هو تشكيل المحاكم ذات الطابع الدولي، مثل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان the Special Tribunal for Lebanon (STL). يتم تأسيس هذه المحاكم بموجب اتفاق بين الأمين العام للامم المتحدة والبلد المعني، وهناك المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة the International Criminal Tribunal for the Former Yugoslavia (ICTY)  والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا the International Criminal Tribunal for Rwanda (ICTR)، ولم يتم إنشاء هذه المحاكم ذات الطابع الدولي من قبل مجلس الأمن.  يتم تعيين هذه المحاكم كجزء من النظام القضائي الوطني، أو حتى بشكل مستقل عن كل النظم القضائية الدولية والوطنية.

على الرغم من أن محكمة يوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية يمكن أن توفر نموذجا لآلية قضائية دولية بديلة ، في ضوء إنشاء المحكمة الجنائية الدولية مع السلطة لقبول الدعوات من قبل مجلس الأمن ولأسباب أخرى،  فإنه من غير المحتمل أن هذه النماذج سيتم تكرارها في المستقبل.

يمكن أن الآليات غير القضائية التي يمكن من خلالها تحقيق العدالة الانتقالية تشمل التحقيق أو عمليات تقصي الحقائق مثل لجان التحقيق commissions of enquiry ، ولجان الحقيقة truth commissions ، ولجان المصالحة reconciliation commissions. كما تشير أسمائها، فقد صممت هذه اللجان لتحديد وتأسيس سجل تاريخي لما حدث طوال النظام السابق، وخلال الفترة الانتقالية.  مثل هذه العمليات يمكن أن تكون مصممة لتوفير منبر للضحايا للحديث عن تجاربهم والأضرار التي عانوا منها من أجل ذكر أخطاء وجرائم الماضي والاعتراف بها.  إنشاء السجل التاريخي وإحياء ذكرى الماضي جوانب هامة لتمكين المجتمع ليتصالح مع ماضيه ويبني مجتمعا متصالحا من أجل المستقبل.

استراتيجية واحدة لتحقيق الإصلاح المؤسسي هو عملية التطهير lustration-  فحص وإزالة من كان في مواقع الحكومة والخدمة المدنية وأعضاء في النظام القديم، أو الذين كانوا مسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال الفترة المذكورة.  ومن الأمثلة الحديثة الأكثر تطرفا هو ما سمي بـ  "اجتثاث البعث"  de-Baathification في العراق بعد زوال نظام صدام حسين من السلطة في حرب الخليج الثانية.  في المقابل، أدى الوضع في لبنان إلى المساعدة التي تبذل حاليا لتقديم المساعدة الدولية، في شكل المحكمة الخاصة بلبنان، في ضوء مدى تسلل النظام السوري في السلطات اللبنانية والاعتقاد السائد بأنه كان مشتركا مع المتورطين في عملية الاغتيال.

المبادئ الأساسية:
في ضوء الأهداف المذكورة أعلاه، واستخدام آليات كتلك المذكورة آنفا، تصميم وتنفيذ سياسة العدالة الانتقالية المناسبة في حالة معينة يجب أن تخضع لاثنين من المبادئ الأساسية هي : التشاور  consultationوالاهتمام باحتياجات المجتمع الخاصة.

لا بد أن تستمد سياسة العدالة الانتقالية من عملية تشاورية في المجتمع الذي يمر بمرحلة انتقالية، بل وجرى التأكيد-خلال المناقشة- على أن العملية التي أدت إلى تبني إجراءات العدالة الانتقالية يمكن أن تكون هامة مثل النتيجة النهائية.  كما أصبح واضحا خلال المناقشة، أن التشاور ضروري لضمان أن رؤية متابعة العدالة من خلال الاستفادة من إجراءات العدالة الانتقالية المحددة تتفق مع رؤية العدالة كما يفهمها المجتمع المتضرر، شريطة أن يكون هذا متوافق مع المعايير الدولية لسيادة القانون وحقوق الإنسان. وفقا لذلك، يمكن أن عمليات التشاور مساعدة في تحديد الفترة الزمنية التي من شأنها أن تكون موضوعا للتدقيق من خلال آليات العدالة الانتقالية، ونوع الجرائم أو الأضرار التي ستكون محط الاهتمام.  التشاور سوف يحدد من يجب أن يخضع لآليات العدالة الانتقالية، والأهم، مدى المساعدة الدولية أو التدخل المطلوب واللازم. أخيرا، قيل إن هذه المشاورات يمكن أن تساعد على تحديد متى يكون من المناسب البدء في اتخاذ إجراءات العدالة الانتقالية.

الأحداث التي جرت في الربيع العربي والاستجابة لتلك الأحداث، سواء داخل المجتمعات التي تعاني من الصراع ومن تعدد الجهات التي يتألف منها  "المجتمع الدولي"، تظهر الحاجة للتشاور للمساعدة في معالجة تلك القضايا التي تم تحديدها حسب الضرورة عند وضع سياسة العدالة الانتقالية. على وجه الخصوص، عند النظر في دور الجهات الدولية الفاعلة وآليات العدالة الدولية، ناقش المشاركون الاتجاهات الناشئة في مجال العدالة الانتقالية، والمساهمة التي يمكن أن يصنعها الربيع العربي في مجال العدالة الانتقالية، والدروس التي يمكن الاستفادة منها حتى الآن.

المتطلبات لدفع الاهتمام باحتياجات مختلف البلدان يؤدي إلى رفض  "قطع الكعكة" cookie-cutter، وبعض الأطراف الدولية الفاعلة يبدو أنها تريد أن تأتي بقالب ينطبق على كل حالة بدلا من التركيز على احتياجات كل مجتمع خاص.

الربيع العربي والعدالة الانتقالية:
عند النظر في أي مجتمع من المجتمعات الانتقالية، وليس آخرا كلٌ من تلك التي تشكل دول "الربيع العربي"، من الأهمية بمكان أن نتذكر أن كل حالة تمثل مجموعة فريدة من الظروف التي تتطلب نهجا مختلفا في العدالة الانتقالية.  وفقا لذلك، ركزت المناقشة الأولى على سياق العدالة الانتقالية في كل بلد، قبل التوسع في عدد من المواضيع التي تخرج من تلك الحالات . تضمنت هذه المناقشة التجربة اللبنانية في المحكمة الخاصة بلبنان، التي توفر شاهدا مفيدا لمقارنة تطور المواقف تجاه آليات العدالة الدولية في المنطقة على مدى السنوات الأخيرة.

لبنان:
التجربة اللبنانية تنطوي على الكثير من المناقشات التقليدية التي تدخل في الاعتبار عند تحديد السياسة الواجب تبنيها في مجتمعات ما بعد الصراع والمرحلة الانتقالية : التوافق بين القانون والعدالة، وتوافق العدالة مع المصالحة، بمعنى أن يتم التساؤل عما إذا كان  "تنظيف الأشياء تحت السجادة ' brushing things under the carpet’  هو أكثر ملاءمة لتحقيق السلام والمصالحة الدائمة أفضل من السعي والبحث عن مبادرات الحقيقة التي يمكن أن ينظر إليها كـ  "إعادة فتح الجروح القديمة".

فقد لوحظ أن لبنان لديها تاريخ من عدم معالجة أخطاء الماضي، في حين أن الملامح الدولية للاجراءات الخاصة بالعدالة الانتقالية - المحكمة الخاصة من أجل لبنان تعني أنه لا يمكن للعملية أن تتوقف، حتى إذا كانت الجهات الفاعلة الداخلية، بما في ذلك الضحايا، لم تعد ترغب في اتخاذ إجراءات من هذا القبيل.

في هذا السياق، لوحظ العنصر السياسي العميق في إشراك الجهات الدولية الفاعلة في مثل هذه الاوضاع الداخلية، سواء من حيث السياسة الدولية ودينامية السياسية الداخلية.  في حين أن المحامين الداخليين من المرجح أن يشددوا على استقلالية المحكمة الدولية فإن المعارضين من المحتمل أن يصوروا المحكمة الدولية على أنه تدخل في الشؤون الداخلية، وعلى أنها مظهر من مظاهر أجندات القوى الخارجية.

في مراجعة المواقف تجاه المحكمة الخاصة بلبنان داخل لبنان، لوحظ ، على نحو متزايد، أن العديد من المدافعين الأساسيين عن المحكمة بدأوا الآن في التشكيك بها . في حين كان ينظر إليها على أنها وسيلة لنزع فتيل التوتر السياسي الداخلي، لتوفير درجة من الاستقرار.  ومع ذلك فإن المحكمة لا يزال لها فائدة سياسية، فإنه يمكن التأكيد على أن تُحمّل كمسؤولية فردية بدلا من المسؤولية الجماعية، من أجل التخفيف من حدة التوتر الطائفي، بل يمكن للحكومة أن تواصل ممارسة وظائفها من دون أن تعيش قضية اغتيال معلق عليها وعرقلة سير أعمالها، حيث يتم ترك هذه المسألة الى المحكمة من أجل حلها، وأنها تسمح أيضا باستئناف العلاقات الطبيعية بين الحكومتين اللبنانية والسورية.

تونس:
اتجهت تونس نحو السيناريو "الكلاسيكي"  للعدالة الانتقالية - كان هناك تغيير كامل للنظام، مع إنشاء الهيئات المنتخبة حديثا، بما في ذلك وزارة لحقوق الإنسان، وإصدار القانون الأساسي الذي يعترف بالحاجة إلى اعتماد آليات العدالة الانتقالية. وفقا لذلك، يبدو أن هناك إرادة سياسية لتنفيذ العدالة الانتقالية.

على الرغم من أنه في أعقاب تغيير النظام كان هناك عدد من المحاكمات التي أجريت على عجل مشكوك فيها، اقترح أن النهج المتبع من قبل تونس نحو العدالة الانتقالية كان صحيا.  اتخذت إجراءات متسرعة قليلا، ويبدو أن عملية التشاور والمشاركة تجري حاليا من أجل تحديد السبل التي يمكن أن تنظر في نظام زين العابدين بن علي ككل، وليس فيما يتعلق بجرائم محددة أو لفترة زمانية محدودة.  الأهم من ذلك وضع استراتيجية للعدالة الانتقالية، هناك خطاب مستمر حول طبيعة التسوية السياسية، وإلى أي مدى إجراءات التطهير ضرورية.  على سبيل المثال، هناك حاليا مناقشات حول كيفية التعامل مع العديد من أعضاء الحزب السابق للدخول في الانتخابات.

إجراءات العدالة الانتقالية الأولية نفذت ضمن شرح تونس لمخاطر التحرك بسرعة كبيرة جدا.  سير المحاكمات في غياب استراتيجية الادعاء يعني، على سبيل المثال، أنه تمت محاكمة زين العابدين بن علي وحكم عليه بالسجن غيابيا بتهمة ارتكاب جرائم صغيرة نسبيا مثل حيازة عملة أجنبية دون تصاريح مناسبة، وحيازة مواد غير قانونية، بدلا من التحقيق في الجرائم التي تعالج القضايا الرئيسة من الماضي مثل التعذيب والجرائم الاقتصادية.

المغرب:
المغرب تمثل تجربة مثيرة للاهتمام في العدالة الانتقالية، حيث اتخذت الإجراءات والآليات المرتبطة بالعدالة الانتقالية، ولكن من دون الانتقال الفعلي، أو التغيير.  النظام المغربي يبدو أنه قد بادر إلى سن إجراءات الاصلاح ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، من خلال مبادرات مثل "لجنة الحقيقة"، فعلت ذلك المغرب قبل بداية  "الربيع العربي".

ومع ذلك، الأسئلة حول مصداقية الإجراءات لا تزال مطروحة. على الرغم من عدم اتساع الانتهاكات كما كانت في ظل الملك السابق إلا انتهاكات حقوق الإنسان لا تزال مستمرة في ظل الملك الحالي.  وفقا لذلك، هناك سؤال حول مدى تبني آليات العدالة الانتقالية وحدها يمكن أن تمثل استراحة حقيقية من الماضي.

ليبيا:
آليات العدالة الانتقالية التي اعتمدت حتى الآن تم القيام بها دون التشاور المناسب مع الجهات المحلية.  على الرغم من أن إحالة الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن كان بالاتفاق مع السلطات المؤقتة، فإن التوتر لاحقا بين رغبة المجلس الوطني الانتقالي  (NTC)  في محاولة محاكمة سيف القذافي في الداخل وبين التزامها بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية وفقا لمذكرة اعتقال يسلط الضوء على عدد من التحديات التي تواجه آليات العدالة الدولية.  تم إحالة المحاكمة للمحكمة الجنائية الدولية وفقا لمسؤولية مجلس الأمن في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويمكن القول إنها كانت جزءا من  "مسؤولية الحماية" responsibility to protect ، على هذا النحو، فإن الولاية القضائية للمحكمة قد أثار هذا الوضع، ليس في فترة الصراع/ الفترة الانتقالية  ، ولكن باعتبارها آلية لدفع عملية السلام.  ومع ذلك، هذا الوضع غير مريح مع متطلبات التشاور مع المجتمع المتضرر من منظور العدالة الانتقالية.  التجربة تدل مرة أخرى على دور المؤسسات الدولية في الديناميات السياسية الداخلية.

مصر:
وعلى النقيض من تونس وليبيا، الثورة في مصر هي الوحيدة كاملة جزئيا.  ورغم خلع الرئيس مبارك من منصبه، النظام القديم إلى حد كبير ممثل في الجيش المصري، الذي يظهر تردده في التخلي عن السلطة.

مجموعة من المحاكمات المنجزة والجارية، بما في ذلك محاكمة مبارك، على الرغم من عدم المصداقية. هذه المحاكمات تفتقر إلى عملية قضائية حقيقية وفقا للمعايير الدولية الأساسية ، التحقيق والملاحقة القضائية.

في حين أن الجهود التي تبذلها تونس تبذل لاستكشاف السبل الممكنة للنظر في مجمل نظام بن علي، في مصر، ربما في ضوء دور الجيش المستمر في الحكومة، يبدو أن هناك شهية فقط من أجل التحقيق في الأحداث خلال فترة الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط مبارك، والجرائم التي تعزى خصيصا لمبارك وعائلته، بدلا من تحقيق أكثر شمولا في النظام الأوسع نطاقا.

ومع ذلك، فإن الوضع في مصر، بالاضافة لتونس وأماكن أخرى، يمكن أن يقدم مساهمة مبتكرة لفهم العدالة الانتقالية.  في مصر على وجه الخصوص، كان التشابك بين انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الاقتصادية قويا بشكل خاص، على سبيل المثال، كانت تستخدم عائدات التمويل الفاسد بقمع قوات الأمن.  وأُشيرَ إلى أن دور الجيش المصري في الاقتصاد المحلي كان شيئا لا بد من أن يُتعرض له وفهمه، وهذا يمكن أن يكون هدفا معينا للعدالة الانتقالية في مصر لتغيير النظام أكثر اكتمالا.

على الرغم من أنه لم يكن هناك رغبة لرؤية التدخل الدولي من منظور حقوق الإنسان، سواء من خلال المحكمة الجنائية الدولية أو غير ذلك، أي المقاومة لتقديم المساعدة الدولية التي تنتمي إلى النظام القديم.  في الواقع، أعربت مصر الجديدة نيتها للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، كان هناك طلب للحصول على المساعدة الدولية، في شكل من أشكال التعاون بين المؤسسات المالية الدولية، في التحقيق في الجرائم الاقتصادية التي ارتكبت في ظل نظام مبارك.

البحرين:
في البحرين، كما هو الحال في المغرب، قد بذلت محاولات من جانب النظام الملكي الحاكم للشروع فيما يمكن اعتباره عمليات العدالة الانتقالية، دون أي نوع من أنواع تغيير النظام أو الثورة. ورغم أن  " اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق" independent international commission of enquiry  المعينة من قبل الملك للنظر في أعمال العنف التي أسست خلال عام 2011 قدمت نتائج هامة حول الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، فإن فشل، أو عدم القدرة على الأقل، اللجنة في تحديد الجناة أو أن تنسب المسؤولية لأحد قوضت عموما أثر التحقيق.

اليمن:
في اليمن، كما هو الحال في مصر، عملية تغيير النظام لا تزال جارية.  على الرغم من أن الرئيس صالح قد استقال من منصبه وغادر البلاد، فإنه لا يزال مؤثرا جدا من خلال مساعديه وأفراد الأسرة، استقالته لم تترجم الى تحول جذري في ميزان القوى في اليمن.

آليات العدالة الانتقالية التي اعتمدت في اليمن لا تبدو أن تكون نتاج عملية تشاور، ومرة أخرى في إشارة إلى العقلية القائمة نحو العدالة الانتقالية.  في الواقع، لوحظ أن القانون في اليمن قام بإنشاء "لجنة الحقيقة" التي يبدو أنها نسخة طبق الأصل عن المرسوم الملكي المغربي في تأسيس لجنة الحقيقة المغربية، على الرغم من كونها حالات مختلفة جوهريا.

التفاوض بشأن اتفاق الحصانة  immunity للرئيس صالح من قبل دول مجلس التعاون الخليجي يدل على الطبيعة الرجعية لمواجهة الوضع.  في حين قد يكون تبني اتفاق الحصانة بغية تدبير وقف العنف، ثم إنها تقع على المجتمع الانتقالي للتعامل مع الآثار المترتبة على المدى الطويل لهذه الإجراءات.

القضايا الموضوعية الناشئة عن الربيع العربي:
1- الجرائم الاقتصادية:
شملت المناقشة دور آليات العدالة الانتقالية في معالجة الجريمة الاقتصادية والمالية، وهي السمة التي كانت شائعة في عدد من مجتمعات  "الربيع العربي" .  وقد استخدمت الديكتاتوريات والمؤسسات الأمنية في كثير من الأحيان اتهامات للمعارضين بارتكاب جرائم اقتصادية كأدوات للسيطرة ومن أجل التلاعب بهم.  ويمكن أيضا أن يستخدم مثل هذا التلاعب في الفترة الانتقالية.

على الرغم من أن العدالة الانتقالية ركزت تقليديا على انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها الأنظمة السابقة، لا ينبغي إهمال التجاوزات الاقتصادية.  يمكن الاطلاع على سابقة لإدراج الجرائم الاقتصادية في العدالة الانتقالية وهي تجربة دولة بيرو Peru كنهج للعدالة الانتقالية في الثمانينات، عندما حوكم بداية الرئيس السابق بتهمة الفساد، والتركيز في وقت لاحق تحول إلى انتهاكات حقوق الإنسان في نظامه.  في سياق الربيع العربي، أشير إلى أن درجة التعبئة mobilization في عدد من الحالات المختلفة لم يكن ليحدث من دون الكشف عن الفساد والجرائم المالية التي بذلت في السنوات الأخيرة، لا سيما عبر ويكيليكس Wikileaks ؛ في حالة تونس، نشر عدد قليل من الكتب التي توثق الجرائم الاقتصادية للنظام السابق. على الرغم من أن انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها الأنظمة السابقة كان له وزن بشكل كبير بالتأثير على حركات الاحتجاج في جميع أنحاء المنطقة.

لكن نظرا للطبيعة المنظومية للفساد في كثير من مجتمعات ما قبل الثورة، لا بد من توخي الحذر عند وضع آليات العدالة الانتقالية لمعالجة الجريمة الاقتصادية في ظل عدم وجود توافق سياسي على ما سيكون عليه المجتمع في المستقبل وكيف ستكون التسوية. على سبيل المثال، إن إحدى التحديات الرئيسة التي تعوق مستقبل التنمية الاقتصادية في مصر على وجه التحديد هو عدم وجود أي نوع من التوافق السياسي فيما يتعلق بالمستوى الذي لا بد من دفعه للمساءلة الاقتصادية؛ على سبيل المثال، هل تكون حكرا على أعلى مستوى من الجرائم، مع التركيز على مبارك وأسرته، أو ما إذا كان ينبغي أن تشمل أيضا أي شخص شارك في بعض أشكال الفساد عندما كان يعمل تحت هذا النظام.  يمكن القول أن المضي قدما في آليات العدالة الانتقالية قبل ظهور التوافق في الآراء من هذا القبيل يؤدي إلى خطر تسييس تلك الآليات والاستراتيجيات.

استرداد أصول الأموال التي تعود الى الحكام السابقين يثير التساؤل حول الكيفية التي ينبغي توزيعها وتخصيصها.  ووجه المشاركون نحو الحالة الناشئة عن الفلبين Philippines والدعاوى التي تواجهها السلطات السويسرية لتوضيح صعوبات التحقيق في الجرائم الاقتصادية في نظام مالي عالمي. في حالة سويسرا، واجه القضاء السويسري دعاوى تطالب بالأصول من قبل الحكومة الفلبينية بعد تحقيق في الفساد، وعلى الجانب الآخر الدعاوى على نفس الأصول المستمدة من الدعاوى المدنية في المحاكم الأميركية.  

تواطؤ المؤسسات والشركات الأجنبية في الجرائم الاقتصادية نتيجة حتمية لتدويل استراتيجيات العدالة التي اعتمدتها المجتمعات الانتقالية.  متابعة المؤسسات الدولية، والشركات الأجنبية وغيرها من الجهات الدولية أو العابرة للحدود الوطنية تتطلب تعاون المجتمع الدولي، في أشكال مختلفة، لتسهيل التحقيقات، وعند الحاجة المقاضاة، وكذلك الولاية القضائية من أجل استرداد الأصول.

2- التوقيت:
بُعد مهم آخر كان قد طرح في المناقشة وهي مسألة التوقيت فيما يتعلق بتوقيت اعتماد آليات العدالة الانتقالية.  لوحظ أنه في أعقاب عقود من العنف والاضطهاد، بلغت ذروتها بفترة قاسية من الثورة، والعواطف المتأججة مخاطر السعي نحو الانتقام بدلا من السعي نحو العدالة في المرحلة الانتقالية.

أحد الاعتبارات المهمة أن يؤخذ وقت قبل اعتماد سياسات العدالة الانتقالية لعدد من الأسباب، لأسباب ليس أقلها أنه يخلق مساحة للتشاور والعمل الضروري.  لكن، في نفس الوقت تم التأكيد على أن هناك عددا من الضرورات التي ستفيد عند البدء السريع بإجراءات العدالة الانتقالية. على سبيل المثال، التحقيق في جميع الجرائم، سواء كان طبيعة اقتصادية أو مرتبطة بحقوق الإنسان، ويفرض في الوقت المناسب لسير التحقيقات والإجراءات، وذلك للحفاظ على الأدلة، والحصول على إفادات الشهود وبيانات الضحية، لإلقاء القبض على المتهم و، في حالة الجرائم الاقتصادية، التعقب الفوري ومصادرة أصول الأموال لمنع الظالمين من الاستمرار في الاستفادة من أفعالهم.  المحاكمات العادلة تتطلب السرعة؛ تأخر التحقيقات يمكن أن يشكل خطرا على الالتزام بإجراءات العدالة الانتقالية المرتبطة بمبادئ سيادة القانون.  

3- تسلسل آليات العدالة الانتقالية:
مسألة التسلسل ترتبط ارتباطا وثيقا بتوقيت إجراءات العدالة الانتقالية.  وكان النهج المتبع في العراق بعد صدام حسين في تركيز الاهتمام على الفور بالحاجة إلى إنشاء المحكمة العراقية الخاصة Iraq Special Tribunal. كانت هناك مطالب غير واقعية تماما بأن نظام العدالة الجنائية سيكون الآلية المناسبة للرد على مرتكبي الجرائم في ظل النظام السابق.  بدلا من ذلك، في مثل هذه الحالات من الجرائم الجماعية، اتباع نهج أكثر شمولية holistic ، مع التركيز ربما على عمليات البحث عن الحقيقة، وهو أمر ضروري.

فيما يتعلق بما سبق تمت مناقشة المسائل المتعلقة بالعلاقة بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية في حالات الإجرام المنهجي أو الشامل وأثر القرارات المتعلقة بهذه الموضوعات على اختيار آليات العدالة الانتقالية المعتمدة، وهوية الفاعلين المناسبين لتنفيذ هذه الإجراءات.  مرة أخرى جرى التأكيد على أنه يجب أن يتم اتخاذ مثل هذه القرارات لكل حالة على حدة، تبعا لظروف كل سياق.  وأُشير إلى أن الأنظمة ينبغي أن تساعد الأفراد على التوفيق بين أنفسهم مع المجتمع الأوسع، وعلى نطاق أوسع لتحقيق المصالحة المجتمعية.

وأخيرا، في هذه المذكرة، تم تذكير المشاركين في حدود العدالة الجنائية لمعالجة حالات الفظائع الجماعية والإجرام الجماعي.  فقد لوحظ أن القانون الجنائي صمم حين تكون انتهاكات القانون هي الاستثناء من القاعدة، في حين أنه في كثير من الحالات التي قدمتها الربيع العربي كانت الانتهاكات هي القاعدة.  في مثل هذه الحالات، فائدة العملية القانونية، أو على الأقل نظام العدالة الجنائية محدود.  بناء على تصريحات سابقة بشأن الخلافات بين القانون والعدالة، اقترح أن القانون يجب أن لا يحاول التعامل مع كل المشاكل التي تواجه المجتمعات الانتقالية، حيث أن هذه المخاطر تسبب مشاكل أخرى، إنها تبذر بذور الفرقة اجتماعية بشكل أكبر.

4- دور المجتمع الدولي:
هناك لاعب جديد متزايد الأهمية في ميدان العدالة الانتقالية: هو المجتمع الدولي.  ويشمل هذا، ويمتد إلى ما بعد ذلك، آليات العدالة الدولية (مثل المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم ذات الطابع الدولي) لتشمل، على سبيل المثال، تدخل المنظمات غير الحكومية والمنظمات الحكومية الدولية والإجراءات أحادية الجانب من بعض الدول أو ما يمكن أن يسمى بالتحالفات. انتشار الأصوات الدولية يمكن أن يعني في كثير من الأحيان ان يتم تحويل الانتباه بعيدا عن هذا الوضع الخاص للدول وخصائصها، مما أدى إلى تطوير "قالب العدالة الانتقالية" . جوهر العدالة الانتقالية هو "محلي"، حتى الآن على نحو متزايد إننا نشهد توحيد/معايرة standardization العدالة الانتقالية.

النظر في مسألة المجتمع الدولي، بمختلف أشكاله، ينبغي أو يمكن أن يوفر العدالة الانتقالية المساعدة، وجرى التشديد على، على أساس خبرات العراق وكوسوفو، وربما ليبيا، أن المجتمع الدولي يضر عندما تفرض نظم العدالة الانتقالية على مجتمعات ما بعد الصراع من دون أي اعتبار لنظام العدالة القائم.  يمكن أن تكون كارثية لافتراض أن نظام العدالة يذهب إلى  "نقطة الصفر"  في أعقاب الثورة، تغيير النظام أو النزاع؛ مهما كانت الإجراءات التي يتخذها المجتمع الدولي، عليه أن يفعل ذلك بعد دراسة متأنية لكيفية تأثير هذه الاجراءات التي سوف تدخل ضمن الهياكل القائمة .

5- المصداقية:
لوحظ أنه في سياق الربيع العربي، الفشل التاريخي للخطاب الغربي لمعالجة قضايا حقوق الإنسان في المنطقة لديه تأثير كبير على شرعية مشاريع حقوق الإنسان في الوقت الحاضر، وسوف تؤثر على الجهات الفاعلة التي ستكون مناسبة لتقديم المساعدة للمجتمعات الانتقالية المختلفة.  لوحظ أن هذه المجتمعات الانتقالية منذ فترة طويلة ميزت الجهات التي كانت على جانبي الصواب والخطأ من التاريخ، في حين أن ذلك كان صحيحا للعديد من الدول الأوروبية التي فقدت الكثير من مصداقيتها، ' الجهات الفاعلة الجيدة "معروفة جيدا لأولئك الذي يسعون للعدالة الانتقالية محليا.  ولذلك اقتُرح تقديم المساعدة والمشورة وكيف يتم تقديمها، بدلا من المحتوى الثابت لتلك المشورة والمساعدة.

أسئلة المصداقية كانت متشابكة أيضا مع التوقيت والتسلسل . عند النظر في  "الماضي"  الذي ينبغي التحقيق فيه، لوحظ أن أنواعا مماثلة من الجرائم أو المخالفات لا تزال تحدث في ظل النظام المؤقت أو الجديد ويقتصر التركيز على آليات العدالة الانتقالية للنظام القديم، وهذا يمكن أن يؤثر على شرعية مؤسسة العدالة الانتقالية كلها في تلك الحالة.  خارج سياق الربيع العربي، قدم مثالا على مثل هذا السيناريو: التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة الأخرى  التي ارتكبت من قبل النظام البعثي السابق وقوات وإدارة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعد سقوط النظام القديم في العراق .

المصداقية يمكن أن يكون لها زاوية أخرى.  الشروع في إجراءات العدالة الانتقالية من قبل النظام الجديد أو المؤقت حالما سقط النظام القديم يضفي مصداقية هامة على النظام الجديد من خلال مناشدة سيادة القانون.  لوحظ مع الحذر، وذلك في عدد من الحالات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن العدالة في المرحلة الانتقالية يمكن أن تستخدم كمقياس لنجاح الثورة.  تأثير هذا أنه في بعض الحالات كان هناك اتجاه إلى التسرع في اتخاذ إجراءات العدالة الانتقالية قبل ظهور أي توافق في الآراء بشأن التوصل الى تسوية سياسية.

6- تغيير المفاهيم:  الربيع العربي والعدالة الدولية:
مسألة الشرعية أمر أساسي لأي نظام قانوني، وليس أقلها النظام القانوني الدولي.  قبل الربيع العربي كان هناك تصور واسع الانتشار في جميع أنحاء المنطقة أن العدالة الجنائية الدولية لم تكن أكثر من أداة من أدوات السياسة الدولية، أو بشكل أكثر تحديدا، سياسة الولايات المتحدة.  انتقائية العدالة الجنائية الدولية التي كان يُسعى لها من قبل مجلس الأمن، كما يتضح في إحالة الوضع في دارفور في حين لم تتخذ أي إجراءات فيما يتعلق بانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، وكان له تأثير خطير على مصداقية النظام ككل.

ومع ذلك، أشير إلى أنه كان هناك تغيير في المزاج العام في المنطقة العربية، قبول المساعدة الدولية من أجل العدالة في ليبيا وسوريا واليمن، فضلا عن تدخل حلف شمال الاطلسي العسكري في ليبيا. وقد أشير إلى أن الادعاء بأن "ما بعد الكولونيالية بالتدخل الدولي أكثر قليلا من الإمبريالية الغربية" ضعيفا.  ومع ذلك، تم التأكيد على أنه في كثير من هذه الحالات الدعوة إلى المساعدة الدولية كانت أقوى عندما كانت ضرورية من أجل إحراز تقدم في الكفاح السياسي الداخلي خلال فترة الثورة . في فترة ما بعد الصراع، نزعة الإقبال على المشاركة المستمرة من جانب المجتمع الدولي من خلال آليات العدالة الدولية ضعفت بشكل ملحوظ. على الرغم من أنه قد يكون من المقبول أن تكون العدالة الدولية الأداة التي لم تعد حكرا على "الغرب"  أو "الولايات المتحدة". وجهة النظر التي تقول بأداتية العدالة الدولية في المنطقة لا تزال قائمة.

استنتاجات:
عند النظر في قضايا العدالة الانتقالية، من المهم الحفاظ على أهداف العدالة الانتقالية وأن تكون في صدارة الاهتمام.  بحكم طبيعته، يجب على العدالة الانتقالية أن لا تكون مفهوما جامدا، ما يعني، من الناحية الموضوعية، أنها تختلف تبعا لظروف كل مجتمع يمر بمرحلة انتقالية. ينبغي أن تكون، عند صياغة سياسة العدالة الانتقالية، الظروف والاحتياجات للمجتمع المعني مصدرا بالغ الأهمية.

المجتمع الدولي، بمختلف أشكاله، يمكن أن يسهم في عملية العدالة الانتقالية، ولكن هذا يجب أن يتم بالتزامن مع المشاورات مع الجهات المحلية.  انتشار الجهات الفاعلة الدولية المعنية في مجال العدالة الانتقالية هو السبب المحتمل للقلق، لأنها قد تجازف بالأهداف الأساسية.

الربيع العربي لديه القدرة على أن يكون مصدرا للابتكار في مجال العدالة الانتقالية، من خلال التركيز على المساءلة حول الجرائم الاقتصادية والمالية.


هناك تعليق واحد:

  1. موضوع رائع جدا واود الاشارة الى نقطة مهمة وهي من الضروري الاخذ بنظر الاعتبار خصوصية كل دولة وتقاليدها وعدم محاولة تكرار وتطبيق سيناريو دولة في دول اخرى مستقبلا

    ردحذف