الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2013-05-07

خواطر شبه بين الحرب وما يقال عن يوم القيامة – بقلم: شام صافي


في الحرب تقف الحياة وتتوقف .. ويبقى الموت سيد الموقف، بكل المعاني تتوقف عند عتبة ما كانت عليه في السابق .. تشبه ما نسمع عن يوم القيامة، فكل ما مر على سمعنا من أحداثها يمر أثناء الحرب ..

فمن أوجه الشبه أنه يتوقف عندها مستقبلك فهي مفترق طرق في أغلب الأحيان .. حياة أو موت .. بقاء أو هجرة .. لا جديد حتى على صعيد الإيمان بل استهلاك لما جنيته قبلها .. تزلزل فيك كل المعاني التي تربيت عليها أو تعبت لأجل تحصيلها أو بنيت عليها فطرتك إن كنت شاباً يافعاً، أو طفلاً فعلى ما رباك عليه أهلك .. لن تكتسب جديداً إلا بناءً على ما سبق تحصيله.

لن تتطور مهارتك بالشكل الذي يكون وقت الرخاء .. قد تدفعك الحاجة لمهارة ما إلى أخذ قسط من جديد لكنه لا يكون أبداً على الشكل المطلوب بل مجرد تسيير حال وضعك القدر فيه لا أكثر .. فلا تتصور أنك قادر على اكتساب المزيد.

حالات من رعب والخوف والهلع والقتل والتعذيب بأشكالها .. ترى في الحرب أياماً لا تتمكن فيها من التفكير بل ردات فعلك التي بنيت عليها حياتك وجبلت عليها شخصيتك هي وحدها التي تتصرف وليس الناجم عن تفكير كما الأحوال العادية.

لا أحد ينظر لغيره أو يكترث أو يهتم لأمره بل ليس متفرغاً لهذا وليس في مجال تفكيره .. وربي أسألك نفسي في يوم الهلع الحقيقي .. . فالأمر أكبر من ذلك الذي تتخيله.

حقاً مرورك بالحرب يعرفك أكثر بيوم القيامة لتؤمن بكل كلمة قالها الحبيب المصطفى عن تلك الأحداث .. عندما قال للسيدة عائشة ما معناه "الأمر أعظم من هذا يا عائشة"  .. حيث ليس هناك مجال لأن يرى أحد أحداً ..  وحينما أخبرنا عن أهوال يوم القيامة وحين يموت المرء فإنه يموت ويحيى على ما كانت عليه حياته .. واليوم حساب ولا عمل .. وكذلك الحرب فما جنيته وعشته سابقاً ستعيش عليه معنوياً ومادياً .. لا تمثيل ولا مظاهر ولا نفاق وحقيقتك هي التي تظهر .. لا يمكن تتصنع أو تواري ما أنت عليه عموماً -إلا في حالات نادرة- فكل إنسان باطنه مكشوف مهما وارى .. موقفه معروف ومكانه الذي اختاره سابقاً قبل الحرب وحسب سيرته وسريرته سيستمر فيه .. فإن كان إنساناً أميناً وصادقاً ووفياً ومخلصاً استمر وتجوهرت فيه تلك الخصال وازدانت وحرقتها نار الحرب لتنقيها كالذهب ولتخرج خبثها وما يعلق فيها من أدران، وإن كانت الخصال مقيتة جاءت الحرب لتخرجها للعلن فيكثر الفساد لأنه يخرج بكل ما يضمره الإنسان الفاسد الخبيث .. كما عاش سابقاً وخزن من خباثة تخرج كلها في أيام الحرب .. حتى لا يكون هناك حجة في اختياره لما هو عليه .. ليفترق الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير فريق مع الحق وفريق مع الباطل  .. لا بد وأن تظهر كل خبيئة .. ولا بد أن يعرف كل إنسان حقيقة قريبه وجاره وإن كان أمه وأباه وولده .. بما في ذلك ما وضعه الله في البشر من حب الحياة أو المال والمناصب .. فإن كان الإنسان عبداً لها ظهرت بأبشع صورها فيصير هناك تجار حرب .. وإن كان الإنسان حراً ظهرت حريته في مواقف يقف التاريخ إجلالاً لها في بطولات فريدة عظيمة يخجل أمامها السامعون في بقاع الأرض ممن لا يعانون وتخرج للعلن قصص تاريخية  .. ليكون أحدهم نبراساً في معاني النخوة والوطنية أو الوفاء أو الإيمان والرسوخ .. تكشف الحرب ضعف كل منا .. فمن يخاف على نفسه وحياته يظهر فيها ضعفه وتمسكه بالحياة .. ومن يخشى على ماله أيضاً يظهر .. يظهر كل ذلك عياناً لا تخالجه شكوك بحيث لا تخطئه العين أو البصر فتتوثق بذلك البصيرة .. حياة الحرب حياة فريدة لا يمكن لأحد أن يصفها إلا إن عاشها مرارها .. حقاً كما وصفت يوم القيامة .. يوم الحرب يوم عظيم .. وهي تصغير لذاك اليوم فمن اعتبر اليوم اعتبر لغد ولا ومن فقه حقيقة الحياة في زمن الحرب وكان معه الإيمان الثابت زاداً لا تزلزله حروب لن يخطئ فقه أحداث يوم القيامة.

أكتب لكم من داخل الحرب وفي أيامها .. ومن باطن معاناتها .. فالكثير في هذه الأيام فهمناه رأي العين .. وهنيئاً لمن كملت خصاله "قبل الحرب" .. فعلى الغالب قد اختاره الله شهيداً وانتقاه إلى جانبه في أجمل صور الذهاب إلى لقائه .. ترى ذلك جلياً عندما تعايش قصص الشهداء وسيرهم وتقارن حياته السابقة بما عاش عليها أيامه الأخيرة .. يتضح لك المعنى الذي أقصده تماماً بأنك كما تحيى قبل الحرب فأنت ستعيش أثناءها .. إن كثر سواد الباطن زاد السواد وظهر الخبَث وضل السعي وتعساًً لذاك إن مات على تلك الشاكلة .. وإن كان الخير والسمو هو المنبت فسينمو ويجد النبت الصالح ليصل أخيراً إلى شهادة توصله لجوار ربه أو شهادة حسن سلوك في الحياة لا ينساها التاريخ ولا تضيع .. وفي كل ختام .. "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً" صدق الله العظيم.
بقلم شام صافي
7-5-2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق