الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-06-06

طلاس فوق .. طلاس تحت - بقلم : إياس غالب الرشيد


عندما غادرت طفولتي، وتركت اللعب مع الصِّبية، وجدت الكبار يتحدثون في أمور أسطورية، كما كان خرافة يحدث بني عذرة، ولكنها كانت للمفارقات العجيبة ذات أصل واقعي؛ فاقت ما قاله خرافة.

في أول جلسة لي مع الكبار كانت في يوم شباطي مشمس، خرجنا للجلوس أمام المنـزل لغايتين شوقاً للشمس ،وتوفيرا للمازوت في أيام البعث الشحيحة، كان المتحدث يروي قصصا عن العماد مصطفى طلاس، حيث كان يخدم  في الجيش الأسدي، وكانت خدمته حاجبا في أحد قصور مصطفى طلاس، تحدث  الرجل عن أشياء تفوق الخيال من ترف  وعلو لهذا القصر وغريب الآرائك والستائر والتحف الثمينة، ولكن أغرب ما قاله: إن العماد مصطفى طلاس كان يمتلك قردا مدربا على حك إبهام قدمه، من يومها أصبحت مولعاً بسماع قصص قادة الجيش السوري وأجهزته الأمنية؛ لأنهم يعيشون مثلما عاش شهريار .


 وأصبحت أتتبع سيرة  مصطفى طلاس، فقد تم ضمه إلى اللجنة العسكرية التي أنشأها محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد أحمد الميـر، عبد الكريم الجندي  بعد انقلاب 1963،وقد ترأس المحكمة العسكرية في حماة 1964، والتي فتكت بالمئات، وفي انقلاب  1966 حرك لواءه  لدعم الهجوم على  أمين الحافظ ، وفي 1968 صار رئيسا للأركان، أي نائب وزير الدفاع ، وراح بعدها مصطفى طلاس ينتزع الرجال المناوئين لحافظ الأسد من جماعة صلاح جديد وغيره تمهيدا لانقلاب 1970 الذي كان رأس الحربة فيه، وروى لي أحد الأصدقاء المقربين من الطائفة العلوية، وقد كان ضابطا مجندا في وزارة الدفاع سنة 2000 وكان صحفيا يرافق مصطفى طلاس، روى هذا الصديق  تفاصيل نقل السلطة لبشار الأسد ؛فقد جمع مصطفى طلاس قادة الفرق العسكرية وقادة الأجهزة الأمنية يوم مات حافظ الأسد، قبل أن يعرفوا واقعة الموت،  وجردهم من السلاح، وأخرج مسدسه ووضعه على الطاولة وقال لهم : لقد مات حافظ الأسد ، والقيادة تقترح تعيين بشار الأسد، من له اعتراض فليتكلم داخل هذه القاعة وسنتناقش، ولكن بعد الخروج من هذه القاعة ، فالاعتراض يعني الإعدام!!!

وقد عرف عن  مصطفى طلاس بذاءة لسانه، وقد كان يستخدم النظام هذه الصفة فيه، فبعد محاولات للتقريب بين حافظ الأسد وبين ياسر عرفات منتصف التسعينات بسبب ضغوط عربية ودولية، وكان حافظ الأسد يتهرب؛ بسبب كرهه لياسر عرفات ،و ليس لأنه صالح إسرائيل كما كان يروج، بل لأنه قال يوم حصار بيروت  1982 أنا محاصر من شارون من البحر وحافظ الأسد من البر، وبعد أن رضخ  حافظ الأسد للضغوط، أوعز النظام لمصطفى طلاس بالخروج العلني أمام كتائب للجيش السوري في لبنان، وقام بشتيمة ياسر عرفات، وشبهه بالراقصة التي تتعرى، فاعتبر الفلسطينيون كلام مصفى طلاس موقفا سياسيا عميقا منهم ،وألغيت الزيارة، رغم خروج الخارجية السورية وتنصلها من كلام مصطفى طلاس، واعتباره موقفا شخصيا، وكأن سوريا بلد ديمقراطي يستطيع أي أحد الكلام كما يحلو له!!!        

لقد انتشر بين السوريين لسنوات طويلة أن طلاس ( رجل كرسي ) وهذا الكلام صحيح، ولكن هذه الرِّجل لها فائدة ،إنها قطعة خشب، تستخدم في الأشياء القذرة ،منذ بداية صعود حافظ الأسد إلى السلطة، وحتى خروج هذه الرِّجل القذرة، بعد أن بلغت من العمر عتياً .

كان اسم عائلة طلاس مقززا بالنسبة للسوريين؛ فهو يستجلب ذكر اسم  مصفى طلاس ،الذي تآمر كثيرا بالنسبة لمن يعرف ،أو قبوله دور الكومبارس بالنسبة لمن يجهل .

ولكن أمرا ما حدث ؛فبعد  انطلاق الثورة العظيمة كان من أوائل المنشقين، ضابط برتبة ملازم أول هو عبد الرزاق طلاس، ذو رتبة صغيرة وهمة عليَّة، انشق في وقت مبكر، منذ الشهر الخامس ، 2011 في مدينة درعا، وأعلن أنه لن يقتل أخوته السوريين، واختفى هذا الضابط فترة وجيزة، ثم ظهر في حمص يقود كتيبة الفاروق التي، ألقمت الجيش الأسدي مرارة الهزيمة والذل والخذلان، قاد هذا الضابط ذو الرتبة الصغيرة والعمر الغض - من مواليد 1987 - معارك شرسة ضد جيش تدعمه الأقمار الصناعية الروسية ومدرعاتها المجلجلة ت72 وت82، والطيران الحربي والقوات الخاصة والحرس الثوري الإيراني  وعناصر حزب اللات وكتائب إسناد خلفية، ولكنهم عجزوا عن هزيمة مقاتلي بابا عمرو الذين يقودهم شجعان كثر ؛أحدهم عبد الرزاق طلاس  وشاب آخر استشهد أيضا اسنمه وليد طلاس  وانسحب هؤلاء الرجال من بابابا عمرو انسحابا تكتيكيا، ولم يعلم الجيش الأسدي الإيراني الروسي بأنهم انسحبوا إلا من وسائل الإعلام .

 بابا عمرو ملحمة عظيمة، قادها ضابط برتبة صغيرة من آل طلاس، لا يحمل أي أوسمة مثل الأوسمة التي يحملها مصطفى طلاس، وليس له تاريخ عسكري ، ولكن عنده وطنية وأخلاق. والمرء ليعجب حينما يرى الأوسمة على صدر مصطفى طلاس وأهم المعارك التي خاضها حرب تشرين، والتي يختصرها المؤرخون بعدة كلمات؛ حارب الجنود وهرب القادة، وحرب لبنان 1982 حيث اشترك الجيش السوري في قتل الفلسطينين من أجل إخراجهم من لبنان ،وخسر مئات الدبابات وآلاف الجنود وعشرات الطائرات في معركة فوضوية، أو نستذكر الحرب ضد ميشيل عون 1990 واحتلال قصر بعبدا ،والتي راح ضحيتها آلاف الجنود السوريين بنيران المدفعية السورية التي كانت تقصف من ظهر البيدر ..

 شتان بين هذين التاريخين العسكريين لرجلين من عائلة واحدة .. تاريخ هدم الوطن وتآمر عليه، وتاريخ يبني الوطن ويدافع عنه
 زمن واحد فيه رجلان من عائلة واحدة، وهما على قيد الحياة ، رجل  لوث اسم عائلته عبر نصف قرن، ورجل جاء ليطهر اسم هذه العائلة من الدنس .
 كانت طلاس فوق وطلاس تحت .... القاعدة هي عبد الرزاق والاستثناء هو مصطفى إذا : طلاس فوق طلاس فوق



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق