الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-05-06

الناشطون السوريون في لبنان جماعة أشرار!- فادي شامية


 - السبت5 أيار 2012 الموافق ١٤ جمادى الآخرة ١٤٣٣
http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=122535
يصاب المتابع لأحوال السوريين المحالين على القضاء العسكري في لبنان بالصداع. تُهم بعضهم مضكحة فعلاً، والبعض الآخر يثير الغثيان، و"حُسن" معاملة مخابرات الجيش مع غالبيتهم أثناء التحقيق واضحة من "الاعترافات".
يتساءل المرء؛ لو كان موقف الحكومة مختلف تجاه الثورة السورية هل كانت: المحاضر، وأوراق الطلب، وقرارات الاتهام، والأحكام... لتُسطّر على النحو الموجود حالياً؟!


وإذا كان انقطاع السبل ببعض الناشطين، وعدم تمكن جمعيات حقوق الإنسان من متابعة ملفات البعض الآخر، وانعدام السند السياسي لدى أكثر هؤلاء ... يفضي إلى استسهال إصدار أحكام عالية؛ على من أخطأ –بما لا يتناسب مع العقوبة- وعلى من لم يخطىء أصلاً، فإن هذا الواقع لا يعني أن أجهزتنا الأمنية تراعي العدالة في تحقيقاتها مع الناشطين السوريين، والأهم أن قضاءنا العسكري لا ينتهج الإنصاف في أحكامه تجاه هؤلاء. قضية السوري كفاح.ش الصادر بحقه قرار اتهامي في 6/3/2012 تختصر هذا الواقع.

في العام الماضي كان كفاح يقطن في منطقة جعيتا، حيث كان يعمل أيضاً. اشترى حاسوباً محمولاً وصار يتواصل مع بقية الناشطين في الداخل السوري عبر برامج التواصل الاجتماعي. حظه العاثر أن أحد المطلوبين في مخيم عين الحلوة أصبح صديقاً له friend  في "منتدى شباب مستقبل سوريا"، دون أن يعلم هويته، ولكن مع توطد العلاقة أدرك أنه مطلوب، سيما أن هذا المطلوب (ح. عبدو) وهو سوري الجنسية، سأل كفاح إن كان يقبل أن يستضيفه عنده ليلة واحدة في حال خرج من مخيم عين الحلوة في طريقه إلى سوريا، فوافق الأخير على ذلك، لكن الأمر لم يحصل، لأن عبدو عدل عن فكرة الخروج من المخيم.

التواصل عبر الإنترنت أفضى إلى تسجيل مكالمة هاتفية واحدة على هاتف المطلوب لم يرد عليها، وبناءً لتعقب المكالمات الهاتفية أوقفت مخابرات الجيش كفاح، ولدى التحقيق معه أكد أكثر من مرة عدم انتمائه إلى تنظيمات مسلحة، لا في لبنان ولا خارجه –مع إقراره أنه أخطأ بعدم قطعه العلاقة عبر الإنترنت مع أحد المطلوبين بعدما عرف ذلك- لكن القرار الاتهامي الصادر بحقه تجاوز ذلك واتهمه بـ "الانتماء إلى تنظيم مسلح بهدف القيام بأعمال إرهابية"، بمعنى آخر اعتبر مجرد التواصل مع مطلوب انتماءً إلى منظمة إرهابية!.

أغرب من ذلك؛ فقد ضبطت مخابرات الجيش في محفظة كفاح -أثناء توقيفه- قصاصة دوّن عليها الناشط السوري بخط يده العبارات الآتية: "أوكسجين، طابات، لمبات، جرس لاسلكي، سبيرتو، أسيد تبع البلاليع". ولدى سؤاله عن ذلك أفاد –كما هو وراد في محضر التحقيق وفي القرار الاتهامي- أنه "تعرف منذ خمسة أشهر عبر الإنترنت على صديق صرح أنه من اللاذقية، وملقب بمهندس اللاذقية، وقد طلب منه تأمين مستلزمات متوفرة في الأسواق، يتم من خلالها تصنيع عبوات (لصالح الثوار في سوريا)، وعندما علم مهندس اللاذقية أن كفاح موجود في لبنان –بعدما ظن أنه في تركيا- طلب منه نسيان القضية". المضحك أن القرار الاتهامي تضمن فقرة عن ضبط قصاصة ورق مدوّن عليها العبارات الواردة أعلاه، فظُن به بموجب المادة 72/ أسلحة!. (لاحظ أن المضبوط قصاصة ورق وليس أسلحة أو حتى المواد غير المحظورة المدون اسمها).

وتزداد القضية غرابة؛ عندما يتحدث نص القرار الاتهامي عن برنامج على الإنترنت يستعمله الناشطون عادة للتخفي من تعقب المخابرات السورية، التي تلاحق الناشطين بدعم تقني إيراني، فيعتبر القرار وجود هذا البرنامج على الجهاز دليلاً ضد صاحبه، رغم أن كفاح صرح بأنه نزّل البرنامج عن الإنترنت ولم يستعمله لعدم تمكنه من ذلك، فضلاً عن أن وجود واستعمال البرنامج من حيث الأصل لا يشكل جرماً!.

بناءً على ما تقدّم (الاتصال غير المتحقق، والقصاصة الورقية، برنامج الإنترنت) سطّر قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية قراراً اتهم بموجبه هذا الناشط السوري بموجب المادة 335 /عقوبات أي بتهمة تشكيله "جمعية أشرار"!.

وفي دراسة قانونية بسيطة يتبين أن أياً من الجرائم -المتهم بها هذا الناشط تعيس الحظ -غير مكتملة الأركان؛ فالمطلوب المقيم في مخيم عين الحلوة، لم يخرج ولم يستضفه كفاح، والقصاصة الورقية –فضلاً عن أنها تحمل أسماء مواد لا يحظر القانون شراءها- لم تُستعمل لأن من طلب منه شراء المواد لصالح الثوار عدل عن رأيه، بعدما علم أنه في لبنان، أما برنامج الإنترنت الذي اعتُبر قرينة ضده، فلم يستعمله صاحبه لتعذر ذلك عليه تقنياً!.

ومع أننا نعيش في بلد يستعمل فيه السلاح في الأفراح والأتراح، وتجري اشتباكات مسلحة في مناطق عديدة فيه، ويسقط قتلى وجرحى ثم تنتهي دون توقيف شخص واحد في غالبية الحالات، فإن قاضي التحقيق ظن بالناشط بموجب المادة 72 أسلحة، التي تتحدث عن التصنيع والحيازة، وكلاهما لم يحصل، بل إن الناشط صرح في إفادته أنه وعد بإحضار هذه المواد على سبيل المجاملة!.

ما يواجهه هذا الناشط -الذي لا يملك مالاً شخصياً لتوكيل محامٍ - جريمة تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً، وذلك بناءً على توصيف بدأ مع التحقيق، واستمر أمام قاضي التحقيق؛ وهو "الانتماء إلى تنظيم مسلح"، والدليل هو تواصله عبر الإنترنت مع أحد المطلوبين، الذي لم يره المتهم، ولم يعرف اسمه الحقيقي، ولم يعرف أنه مطلوب حتى وقت متأخر، ولم يدخل إلى حيث يقيم في المخيم، وإنما حاول الاتصال به مرة -بعدما علم أنه سوري- فلم يرد عليه!. مع العلم أن الانتماء في حقيقته يعني التأييد والاقتناع بما يفضي إلى الخضوع إلى الإمرة، في حين أن الموقوف يقول في إفادته: "لم أنفذ أي مهمة ولم ارتبط يوماً بالتنظيم الذي ينتمي إليه"، ويؤكد في إفادة أخرى: "لم أقدم على أي عمل تخريبي داخل لبنان أو خارجه على صعيد فردي أو مجموعة" ويضيف: "لا أعرف أحداً من قياديي فتح الإسلام الإرهابي ولا حتى أي من المطلوبين للقضاء اللبناني"، بما ينسف المادة 335 في ركنيها المادي والمعنوي كلياً (على اعتبار أن القرار الاتهامي لا يذكر وقائع مغايرة).


الملف السابق ذكره ليس إلا عينة بارزة عن تعاطي الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري مع ملفات الناشطين السوريين، وإثارته إعلامياً لا يعني رفض تعقب الأجهزة الأمنية لأي شخص –أياً كان- تحوم حوله أية شبهة، بما في ذلك التوقيف والتحقيق، ولكنه يعني رفض استسهال إصدار قرارات اتهامية –قد تتحول إلى أحكام- أقل ما يقال فيها إنها جائرة، وغير مبنية على وقائع صلبة، وواضح جداً أنها تتماشى مع جو يراد أن يسود في لبنان، يقوم على أساس اعتبار الناشطين مخربين، في بلد يفترض أنه واحة للحرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق