الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-05-22

قصة موت أبو خضر – بقلم: إياس غالب الرشيد


أبو  خضر أحد الخسارات الكبيرة في قريتنا الجميلة ، مثال للطيبة والظرف، يزحف الفقر والبؤس بين يديه ، ولكنه يمزِّقه بالفرح والغناء بالأعراس.

 عرفت أبو خضر سنين طويلة ، وهو يعاني من حبسة في الكلام، تمنعه من التعبير عما يريد، ربما لأنه لا يستطيع تحقيق ما يطلب؛ فيتلعثم بالكلام، ولكنه عندما يبدأ بالغناء، ينطلق هذا اللسان بطريقة تجعل الحاضرين يميلون طربا وفرحا. 


 عاش أبو خضر يصارع الأشياء، متنقلا بين مهن كثيرة ، أسهلها تنوء عنه الجبال، ولكن لا سبيل لمثله عاش في كنف البعث إلا أن يجعل من جسده المحدود مصدات لرذاذ الجمر والقهر والحرمان.

عاد أبو خضر في أحد الأيام منهكا من عمله، وصل المنزل، فجأة... خرج صراخ مزق سكينة العصر، قيل أبو خضر مات !!! كان شابا في منتصف الثلاثينيات ، نظر الجميع لبعضهم، والعيون يأكلها الدمع، انقض الجميع على منزله، جس أحد الحاضرين جسده، وجده ساخنا ، قال: الرجل لم يمت، هذه غيبوبة، استرخى الجميع، وجلسنا على الكراسي التي بدأت توضع تجهيزا للعزاء ، وتعالى الضحك ، لا حول ولا قوة إلا بالله... شر البلية ما يضحك، جلب لنا أحد الأصدقاء شايا من منزله المجاور ، تبادلنا مع بعضنا سجائر الحمراء الطويلة..

ونحن نتساءل عن أحوال الدنيا ، بعد أن خرجنا لتونا من جحيم الذهاب للآخرة .. وصل الطبيب لمعاينة أبي  خضر .. خرج الطبيب بعد لحظات ليقول للجميع أبو خضر مات فعلا!!!

 ما عاد باستطاعتنا العودة للحظة الدهشة نفسها؛ عند تلقي الخبر الأول بموته، ولكنه مات فعلا، وخسر أبو خضر استمرار الصراخ العفوي لحظة الصدمة الأولى .

عاش أبو خضر سنين عمره في عهد البعث الأسدي ، ومات مرتين، وهذا البعث يموت كل يوم منذ  أكثر من عام عشرات المرات، مات فلسفة ،مات أخلاقا ، مات اقتصادا،وانكشفت كل كذبات المقاومة والممانعة والإصلاح  التي ادعاها سنين عددا ..

مات هذا النظام مئات المرات، وفي كل مرة يحاولون إنعاشه بتكذيب الأخبار، وبرواية النكران ، وآخرها ما حدث منذ أيام، حين تناقل الجميع أخبار اغتيال عصابة علي بابا؛ أعضاء خلية الأزمة، سارع النظام لتكذيب الخب، وأظهر بعضا من رجال  العصابة ليبدو أنه ما زال قويا، ولم يدرك هو  شبيحته  أن نهاية النظام لا تكون بسقوط رجاله، بل بمبررات وجوده، ما حدث منذ أيام  هو دخول النظام إلى غرفة الإنعاش الأخيرة ،إنه تحت ضربات الثوار في دمشق وريفها الأبي يصدها بالتكذيب  فقط.

 لقد مات أبو خضر مرتين .. وخلف في قلوبنا الوجع والحسرة ، وما زالت أغنياته الجولانية تهز الروح ، ومات نظام البعث الأسدي مئات المرات، والجميع يستمطر عليه اللعنات، مستعجلين دفنه القريب .  

هناك تعليق واحد:

  1. كلام جميل واسلوب راقي يخاطب القلب والروح والواقع

    ردحذف