الصفحات

تنويه

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الرابطة والمشرفين عليها.

Translate

2012-04-20

عام آخر من عمر الربيع العربي ! - بقلم: د. أحمد محمد كنعان


مضى العام الأول على إطلالة "الربيع العربي" الذي سريعاً ما بدَّل المشهد السياسي في الساحة العربية.. فمع إشراقة هذا الربيع البهيّ غابت وجوه وظهرت وجوه، وتحطمت عروش وقامت عروش، ولمعت أسماء واحترقت أسماء، ولاح في الأفق مستقبل جديد للأمة العربية بعد عهود طويلة مؤلمة من المعاناة والاستبداد والظلم والمهانة والتمزق !

وقد بدأ المشهد الأول في هذا الربيع ـ الذي فاجأ الجميع ـ بإشعال عامل مسكين نفسه في تونس احتجاجاً على الظلم وضيق العيش وإهدار الكرامة، فكان هذا الحدث المأساوي نذير ثورة شاملة سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم في أرجاء الوطن العربي كله، وانطلق الشعب المقهور، فحطم حاجز الخوف، وراح ينادي بإسقاط الأنظمة الغاشمة، ويطالب بالحرية والديمقراطية والكرامة التي افتقدها طويلاً !


وقد حرك هذا الربيع العربي في الأمة مخزوناً أسطورياً من الطاقة الكامنة التي لم يكن أحد يتصور خروجها على هذه الشاكلة التي أذهلت الجميع، وكأنها شمس جديدة طلعت على الوطن العربي فأعادت له وجهه المشرق كما كان في يوم من الأيام، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى بدأت عروش الظلم تتهاوى واحداً بعد الآخر، وبدأت الأمة تستعيد ثقتها بنفسها، وبقدرتها على التغيير، بعد تلك المحاولات المستميتة من الطغاة لتهميش الأمة، وتحويلها إلى مزرعة للزعيم الأوحد وعائلته ومن يلوذ به من المنافقين والانتهازيين واللصوص !

وقد شهد هذا الربيع العربي ظواهر سياسية واجتماعية جديدة غير مألوفة ولا متوقعة، فالحديث عن "الإرهاب الإسلامي" غاب فجأة وكأنه لم يكن، والحكام الذين كانوا يظنون أنهم ملكوا الدنيا وورثوها كابراً عن كابر لم يعودوا يجدون فيها قبراً يضم أشلاءهم العفنة، والإسلاميون الذين كانوا ملاحقين هنا وهناك أصبحوا هم سادة الموقف .. وصناع الأحداث !

ولعل من أكثر الظواهر غرابة في سياق هذا الربيع العربي أن الأحزاب السياسية التقليدية العريقة التي ظلت تعمل على الساحة العربية لأكثر من نصف قرن من الزمان لم تستطع أن تغير شيئاً من حال الأمة، بل إن بعضهم لم يجد حرجاً في مساندة الاستبداد حرصاً على مصالحهم ومراكزهم، ملقين وراء ظهورهم هموم الأمة، ومستقبلها، غير عابئين بمعاناتها، بينما استطاع جيل جديد من الشباب العربي الأبيّ أن يقلبوا الطاولة على الحكام والأحزاب جميعاً، وأن يقودوا عجلة الثورة بكفاءة عالية، مستخدمين وسائل العصر الحديثة التي أتقنوها ووظفوها في ثورتهم توظيفاً أذهل العالم، وأصبحوا بهذا الإنجاز الفريد مثالاً يحتذى في أرجاء المعمورة !

ولا جدال بأن هذا الطريق الذي شقه الجيل الجديد من شباب العروبة بجرأة منقطعة النظير هو طريق محفوف بالمخاطر، مليء بالأشواك الداخلية والخارجية، لكنه في الوقت نفسه مزروع بآمال عريضة تبشر بأن يكون مستقبل هذه الأمة خيراً من أمسها، لكن ينبغي لهؤلاء الشباب أن يدركوا خطورة المرحلة، وأن يتجهزوا لما قد يعتورها من مفاجآت، وأن لا يسمحوا لأحد أن يسرق ثورتهم التي دفعوا فيها آلاف الأرواح الزكية الطاهرة .

وعلى شباب الثورة كذلك أن يتذكروا أن رحيل الدكتاتور لا يعني انتصار الثورة، وإنما هو فقط مقدمة، أما الانتصار الحقيقي فهو تأسيس ( دولة القانون ) التي تصان فيها الحقوق والحريات، وتتحقق فيها العدالة والمساواة بين أبناء الوطن، وتهيئ المناخ لانطلاق الأمة نحو نهضة حقيقية تعوض بها ما فاتها خلال سنين القحط السياسي، لكي تلحق بركب الحضارة من جديد، وتعود شاهدة على عصرها كما أراد لها ربها في قوله تعالى : (( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أمَّةً وَسَطاً لِتَكونوا شُهَداءَ على النَّاسِ )) وهذه الشهادة على الناس تقتضي أن تكون الأمة في المقدمة في كل شيء، وهذا لن يكون بغير الجهد المخلص، والعمل الجاد، وعندئذ يفرح الثوار بربيعهم، وتتفتح الزهور في ربوعهم بإذن الله .

عام مضى على " الربيع العربي" وبدأ عام آخر، والأحرار في وطننا الحبيب سوريا مستمرون في ثورتهم بالرغم من الجراح والآلام والعذابات، وكلهم تصميم وعزم وإصرار على إسقاط الطاغية، وكلهم ثقة بنصر الله عز وجل، ويقين لا يدانيه شك بأن الدماء التي سالت على أرض الشام لن تضيعَ هباء، وأبوابُ الحرية سوف تفتح عاجلاً أو آجلاً مصداقاً لقوله تعالى (( وتلك الأيام نداولها بين الناس )) فقد اقتضت حكمته تعالى أن لا يدوم كرسي لباغي، ولا يدوم سلطان لمتجبر .

لقد اعتمدت النظام الجائر في وطننا الحبيب سوريا في بقائه على سياسة التخويف والترويع والتجويع، لكن شعبنا الأبي كان أقوى وأمضى عزيمةً من كل التحديات، فقد كسر حاجزَ الخوف الذي ظل مفروضاً عليه سنين طويلة، وزلزل أركان هذا النظام الفاسد الذي ما فتئ يحاولُ عبثاً أن يحافظ على سلطانه متجاهلاً أن دولةَ البغي زائلة لامحالة، وأن من سلّ سيفَ البغي قُتِلَ به كما قال الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه .

إن شعبنا السوريّ الأبيّ ما عرف يوماً الحقدَ والانتقام، وهذا التنوّعُ العرقيّ والدينيّ والطائفيّ في نسيج المجتمع السوري خيرُ شاهدٍ على تاريخه الحافل بالتسامح والتعايش والتعاون، وإننا في هذا المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا وبلدنا، نؤكّدُ أن جميعَ مكوّنات الشعب السوري شركاءُ في الوطن، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن ( سوريا المستقبل ) التي نعملُ جميعاً على بنائها هي ( سوريا ) القانونُ والعدلُ والحريةُ والتعدّديةُ والمساواة، ( سوريةُ ) التي تتّسعُ لكل أبنائها، أما من تلوثت أيديهم بدماء شعبنا ـ من أية طائفة أو عرق أو دين ـ فإنّ القضاء العادل هو الذي سوف يحكم في أمرهم .

وإننا أمام ما يرتكبه النظام من جرائم القتل، بحق الأطفال والرجال والنساء والشيوخ، وانتهاك الحرمات، وتعذيب الجرحى والإجهاز عليهم، وقتل المشيّعين في الجنائز، وما يعانيه السجناء من إذلال وتعذيب وانتهاك لآدمية الإنسان .. إننا أمام هذه الأوجاع كلها لنؤكد أن الدفاع عن النفس حق مشروع، وأن الدفاع عن المظلومين واجب شرعي وقانوني، ونحن إذ ندعمُ صمودَ شعبنا ودفاعه عن نفسه، فإننا نمارس حقنا المشروع، ونقوم بواجبنا الشرعيّ، ويبقى على المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته الأخلاقية، والقيام بواجبه الإنساني، في ردع آلة القتل الهمجية، وحماية المواطنين من أبناء شعبنا، بكل وسائل الحماية اللازمة .. وإن ثورة شعبنا السوري البطل ماضية إلى غايتها مهما عظمت التضحيات، فالحق أقوى من القوة، والشعب أقوى من جلاديه، وإن النصرَ سوف يتحقّق عاجلاً أم آجلاً ( والله غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ) .
د.أحمد محمد كنعان
Kanaan.am@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق